صرخات
الجزء ١ · صفحة ٥٦أيها الإخوة، لا شك أن الذي نعانيه اليوم هو من عند أنفسنا: ﴿ذَالِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال:53). ولقد أدركنا مدى تقصيرنا في الحفاظ على الأمانة والوفاء بعهد الشّهداء، لا انتقاصًا من قدرهم في نفوسنا، أو حطّا من كرامتهم في ضمير الشّعب، ولكن لغلبة الجهالة وسوء التّقدير، وفقداننا للشّعور بالذّنب ووخز الضّمير.
ومهما يكن من أمر واقعنا اليوم، فنحن -الجيل المخضرم- لا نعرف الإحباط والقنوط، ولا تستفزنا الأحداث، ولا يضيق ذرعنا عند الأزمات. بل لنا من قوّة إيماننا بالله والوفاء للوطن ما يعصمنا من الخيبة والفشل.
ففي هذه الأجيال الصّاعدة معقد آمالنا ومناط رجائنا إن نحن أحسنّا ترشيدها وتوجيهها. وفي مثل هذه المناسبات الوطنية مجال واسع للتذكير والإرشاد، فما على جيل نوفمبر إلا أن يسمع النّداء، ويبلّغ الأمانة بكل إخلاص ووفاء.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أردّد مع الشّيخ البشير الإبراهيمي -رحمه الله- نداءه الوفيّ إلى شباب الجزائر ذلكم النّداء الذي يفيض حبّا وإخلاصا لأبناء وطنه وكأنه اليوم معنا يعيش معاناة شعبه إذ يقول: "أتمثّله متساميا إلى معالي الحياة، متقد العزمات، تكاد تحتدم جوانبه من ذكاء القلب وشهامة الفؤاد ونشاط الجوارح.
أتمثله مقداما على العظائم من غير تهوّر، محجاما عن الصّغائر من غير جبن، مقدّرا موقع الرّجل قبل الخطو، جاعلا أوّل الفكر آخر العمل.
أتمثله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود. يرى كل عربيّ أخًا له أخوّة الدّم، وكل مسلم أخًا له أخوة الدّين، وكل بشر أخًا له أخوّة الإنسانية، ثم يعطي لكل أخوّة حقّها فضلا أو عدلا.
أتمثّله حلف عمل لا حلف بطالة، وحِلس معمل لا حلس مقهى، وبطل أعمال لا ماضغ أقوال، ومرتاد حقيقة لا رائد خيال.