صرخات
الجزء ١ · صفحة ٦٨فلنستمع مرة أخرى إلى رسول الله -وهو الرائد الصّادق والحادي الأمين- ينصحنا بما يضمن لنا النّجاة في مسيرتنا ويؤمّن العاقبة، إنه يربّى فينا الرّوح الاستعدادية لمفاجآت القدر، وينمّي في نفوسنا الوعي الكامل بتصاريف الزّمان، ثم يوقظ فينا الحسّ الادّخاري في مجالات تصرفاتنا وتدبير شؤون حياتنا، لنأخذ من أنفسنا لأنفسنا، ومن دنيانا لآخرتنا، ومن الشّبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات. ويا ما أروع التّعبير بكلمة النّفس التي تعني في حياة الإنسان كل الجوانب الرّوحية التي ميّز الله بها هذا المخلوق العجيب، ليكون في قمّة الكائنات على ظهر الأرض يسخّرها كيف يشاء لخدمته ومنفعته، ويشرّفه بها ليكون محطا لأمانته. فهذه النّفس هي نفخة من روح الله في هذا الجسد الفاني، وهي سرّ من أسرار الخليقة جعلها الله تعالى محطّ الإلهام للفجور والتّقوى، على قدر مجهود الإنسان في تزكيتها أو تدسيتها فقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشّمس:7 - 10).
فالفلاح أو الخيبة طوع إرادتك أيها الإنسان في أخذك بوسائل التّزكية أو التّدسية لهذه النفس، وهي منفصلة عن جسدك -لا محالة- يوم تنقضي أنفاسك على ظهر هذا الكوكب راجعة إلى ربّها، فلتأخذ منها ما يجعلها مطمئنة راضية مرضية في جوار باريها.