صرخات
الجزء ١ · صفحة ٧٠ومن تمام فضل الله علينا أن أرانا سبيل الرّشد، ودعانا إلى ما فيه حياتنا الفضلى، كما أن من تمام عدله أن وضع لهذه الحياة سننا لا تتخلّف، من أخذ بها والتزم بقوانينها نال بغيته واهتدى إلى مراده، ومن تنكّب عنها تردّى في ضلاله وفساده. وفي كلتا الحالتين لنا من نفوسنا رضى واطمئنان أو لوم وعتاب في استزادتنا من الخير، أو إقلاعنا عن الشّرّ. وكل لحظة بقيت من عمرنا فهي عرضة لهذه أو تلك من أحوالنا النّفسية. فما علينا إلا أن ننصت لهاجس هذه النّفس لنتبيّن موقع خطونا في طريق الحياة، ونعرف مقدار حظنا من نعمائها ولأوائها. فلنجتهد ما دام لنا في العمر فسحة لتدارك النّقص، فما بعد الموت من مستعتب. يقول المولى تبارك وتعالى في سورة الأنعام: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَن تَاتِيَهُمُ الْمَلآَئِكَةُ أَو يَاتِيَ رَبُّكَ أوْ يَاتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا اِيمانُهَا لَمْ تَكُنَ ـامَنتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (158).
أيها المستمع الكريم: هب أنك من المحظوظين في توفير مسكن محترم يليق بمقامك الأسمى، وتفنّنت في زينته ومتاعه كما تشاء حسب هواك، ليكون مستقرك ومثواك، فهل عرفت أنك في الحقيقة مكتر لا صاحب دار، وهل نسيت أو تناسيت أن الآخرة هي دار القرار، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وحيث لا مستقر إلا الجنة أو النّار؟، وصدق الله العظيم إذ يقول في سورة القصص: ﴿وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِم بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنم بَعْدِهِمُ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (58). تلك هي الحقيقة الأبدية التي أقسم عليها رسول الله وهو يحدّد معالم الطّريق للسالكين، راجعين إلى ربّ العالمين.