صرخات
الجزء ١ · صفحة ٧٤ولنستمع إلى رسول الله، وهو يستشفّ حجب الغيب لما تصير إليه أحوال أمته فيقول: «سوف تكون فتن كقطع اللّيل المظلم، قلنا: ما المخرج منها يا رسول الله؟، قال: كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين والذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا﴾ (الجن:1). من علم علمَه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم»(1).
ذلكم هو القرآن العظيم -أيها الإخوة المؤمنون- نحتفل اليوم بذكرى نزوله، ونتشرف بتكريم حملته، فنرجو أن يكون أبناؤنا على مستوى هذا التّكريم طهرا وصلاحا، واستقامة على هدي الله وسنة رسوله. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلقه القرآن كما قالت أمّنا عائشة - رضي الله عنه - ا. فيا لسعادة من اقتدى برسول الله فزكت نفسه واستقام خلقه، وجعل من رسول الله وصحابته الكرام مثله الأعلى في فهم كتاب الله واستلهام أسراره، والتّجاوب مع روحه وتوجيهاته، تطبيقا والتزاما، وتعظيما واحتراما. إذ ليس المقصود من القرآن مجرّد تلاوته لالتماس البركة -وهو مبارك حقا- ولكن بركته الكبرى في تدبّر معانيه ومعرفة مقاصده، ثم تحقيقها في مجالات الحياة الفردية والاجتماعية امتثالا لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ اَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الاَلْبَابِ﴾ (ص:29).
(1) - تقدم تخريجه: ص 26.