صرخات
الجزء ١ · صفحة ٨٣أيها الإخوة الكرام، إنه ليحزنني في مقامي هذا أن أتغنّى بأمجاد الشّيخ الإمام لأناس كانوا من صنع يديه، وفي مغان كانت مربع طفولته وشيخوخته فهم وإن تناسوا يوما ذكره في زحمة الحياة ولأوائها، فلا يستطيعون أن يجحدوا فضل الأبّوة الكريمة، ولا أدنى من ذلك في حقوق الأرحام. أجل، إنه ليحزنني أن تُحيا ذكرى الإمام في مستوى هذا الإطار الضّيّق -على ما له في نفسي من تقدير واحترام- بينما يقتضي منا الوفاء بحقه أن نوسّع من هذا الفضاء، ونمدّ أصواتنا لتنطلق في كل الأرجاء، غير آبهين بما يفتعله حسّاده من لغو وهراء، فإن الشّيخ الإمام لم يعش للقرارة ولا لميزاب وحدهما، بل حمل هموم وطنه وعاش آلام شعبه وأمّته في الجزائر وفي الوطن العربيّ والإسلامي، كما يقرّ بذلك الأساتذة والباحثون المخلصون الذين تناولوا جوانب من شخصيته الفذة بالنّقد والتّحليل.
وبعدُ، فهل من نهاية لهذا التّعتيم والتّضليل؟. أم ما نزال على حال ما عبّر عنه أمير الشّعراء حين قال:
أحرام على بلابله الدّو … ح حلال للطير من كل جنس
كلا، -أيها السّادة الكرام- إننا كما لا نخادع أنفسنا، فإننا لا نرضى أن يخادعنا أحد ليحطّ من كرامتنا أو ينتقص من رموزنا، أو يساومنا في أصالتنا ومقوّمات شخصيتنا، فلنتق صفعة التّاريخ ولعنة الأجيال، إن نحن رضينا بالدّون في مقامنا، أو بالدنية في شرفنا وديننا، فإن الوفاء للشيخ الإمام لا يتحقق بتنميق الأحاديث، ولا بتنسيق الخطب والمحاضرات، لأن حبّه في سويداء قلوبنا، وذكراه العطرة ملء جوانحنا. بل لا يكون وفاؤنا له إلا بالمصابرة والمرابطة في اقتناء آثار جهاده ومتابعة المسيرة الإصلاحية وفق المعالم التي رسمها على الطّريق جمعا بين الأصالة والعصرنة، وتكاملا بين العلم والدّين، وتسامحا بين المذاهب الإسلامية المختلفة، وتجاوبا واحتراما بين القمة والقاعدة.