-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ٢فها أنا ذا أعود إليك -أيها القارئ الكريم- لأحمل إليك الباقة الثّالثة من مجموعات "صوت المنبر"، وأنا على كامل الثّقة بأنك ترتقبها بشغف وشوق لتضمّها إلى رفيقتيها الأولى والثّانية، وهي كلّها تتكامل في حسن منظرها وطيب أريجها، وقد تنوّعت هي الأخرى في مواضعها وعناوينها إحياءً لمناسبات وطنية ودينية، ومعالجةً لقضايا وطنية أو عالمية، أو تحليلاً لمشاكل اجتماعية.
ولست بمدّعٍ العصمة في الطّرح ولا المثالية في الأداء، بيد أنّني مرتاح الضّمير مطمئنّ البال بأنني قد أخلصت في النّصح والإرشاد، وصَدَقْتُ القول في الدّعوة والتّبليغ عن قناعة تامّة وإيمان صادق بما أتصوّره وأعتقده، وأنا أؤمن بأنّ كلّ كلام يحتمل الخطأ والصّواب إلاّ حديث الصّادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -، فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى.
ولا شك -أيها القارئ الكريم- أنّك ستتناول هذه الباقة بتدبّر وتمحيص، وأنت محترم في رأيك ومشكور على نقدك وملاحظاتك، وحسبي بما أقدّمه بين يديك أنّه قد صدر من قلب مخلصٍ، ونفس مليئة بحبّ الخير لكلّ نفس مؤمنة تلتقي معها في حظيرة الإيمان، ولكلّ نفس تؤثر الكرامة الإنسانية على ما سواها من متاع الدّنيا وزينتها، غير مغرورة بفتنة الأموال والأولاد.
فقد شَغَلْتُ منبر المسجد الجامع في مدينة العطفاء قرابة أربعين سنة، داعيا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في صبر وأناة، لم يُثْنِنِِي عن ذلك حرّ الصّيف ولا قرّ الشّتاء، ولم يستفزّني قدح ولا ثناء، إذ وثقت صلتي بالله وحده، وجفوت الوسطاء، وأنا ما أزال -بفضل الله- أواصل مسيرتي الدّعوية حتى اليوم متّزن الخطا، متناغم الصّوت مع الجماهير المؤمنة، في تجاوب حيّ وتفاعل عميق.