صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٤٧

وهذا رسولنا الكريم يضرب لنا أروع الأمثال في كرم الأخلاق وعظيم الخصال حين قال لأولئك الذين ناصبوه العداء: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء»، وقد مكّنه الله من رقابهم ينتظرون الجزاء. وهكذا مواقف الرّجال العظماء. وما قصة يوسف - عليه السلام - مع إخوته إلا صورة ناصعة للسياسة الحكيمة في تدبير شؤون الملك، والتي ترحم وتشفق، وتجمع ولا تفرّق، حين قال لهم: ﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف:92).

وكم لله تعالى من الألطاف الخفية، مهما عظم الكرب واشتدت البلية!، والمعدن النّفيس لا تزيده النّار إلا صفاء ونقاء، فها هي النّفوس تثوب إلى رشدها، وها هي صيحات البرّ والإحسان ومناشدة الصّفح والغفران ترغم أنف الشّيطان، وتغيظ الشّامتين المتربّصين: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ’ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص:88)

أيها الإخوة المؤمنون: تعاودنا هذه الذّكرى الغالية وتراودنا الآمال بأنّنا إلى الوفاق ساعون، وإلى الوئام سائرون. ولا ترضى بالشّقاق والنّفاق إلاّ النّفوس الدّنيئة التي تصطاد في الماء العكر، وتجد في أسواق الغشّ والخديعة مغنما لتكتنز الأموال وتحتكر، ولكنّ هذا الشّعب الكريم والواعي بمسؤوليته يقف اليوم لهم بالمرصاد، وقد هداه الله سبل رشده، إذ أعطى القوس باريها، واستودع الأمانة راعيها، وهو اليوم جدير بالبهجة والسّرور في عيده الوطني تراوده البشائر، في ظل العزّ والكرامة للجزائر، وحريّ أن ينفكّ من عقدته ويتحدّى من يتربّصون به الدّوائر، فقد أعلنها على مسمع الدّنيا صرخة سلم وأمان، وصاغها لأصحاب الأعمال وثيقة عهد وضمان، فلا مستعتب اليوم لمتردّد أو جبان.

٤٧ / ١٥٤