صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ٤٩

يقول أحد المفسرين في معنى هذه الآية الكريمة: "إنّها دعوة للمؤمنين باسم الإيمان، بهذا الوصف المحبّب إليهم، والذي يميّزهم ويقودهم، ويصلهم بالله الذي يدعوهم، دعوة للذين آمنوا أن يدخلوا في السّلم كافة. وأوّل مفاهيم هذه الدّعوة أن يستسلم المؤمنون بكلّياتهم لله في ذوات أنفسهم، وفي الصّغير والكبير من أمرهم، أن يستسلموا الاستسلام الذي لا تبقى معه بقيّة ناشرة من تصوّر أو شعور، ومن نيّة أو عمل، ومن رغبة أو رهبة لا تخضع لله، ولا ترضى بحكمه وقضاه. استسلام الطّاعة الواثقة المطمئنة الرّاضية، الاستسلام لليد التي تقود خطاهم، وهم واثقون أنها تريد بهم الخير والنّصح والرّشاد، وهم مطمئنون إلى الطّريق والمصير في الدّنيا والآخرة". إلى أن يقول: "والمسلم حين يستجيب هذه الاستجابة يدخل في عالم كلّه سلم وكلّه سلام، عالم كلّه ثقة واطمئنان، وكلّه رضى واستقرار. لا حيرة وقلق ولا شرود ولا ضلال. سلام مع النّفس والضّمير، سلام مع العقل والمنطق، سلام مع النّاس والأحياء، سلام مع الوجود كلّه ومع كل موجود، سلام يرفّ في حنايا السّريرة، وسلام يظلّل الحياة والمجتمع، سلام في الأرض وسلام في السّماء". انتهى.(1)

نعم -أيها المؤمنون-، لقد دفع الشّعب ثمن هذا السّلم غاليا، وغاص لاقتناص جواهره في بحر من دماء ودموع، وعرف كيف يقتنص عزته وكرامته من براثين الوحوش الضّارية، فهو وإن أصابه بعض العثار في مساره فحاشاه أن يرتدّ أو يخون.

(1) - ظلال القرءان: ج02 / ص132 - 133.

٤٩ / ١٥٤