ظاهرة تعدد المنابر في وادي مزاب لمصطفى ابن ادريسو
الجزء ١ · صفحة ٢﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (سورة الجن: 18)، ومدرسةٌ لتربية المسلم وتهذيب أخلاقه، ولذلك لم يقتصر دورُه التعليمي على الرجال فقط، بل نافست عليه النساء، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قالت النساء للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ»(1)، ومن هنا فتح المسجد صدرَه للمرأة لتشهدَ دروس العلم، وتقيمَ الصلاة مع المؤمنين، ليتأكد حقُّها في تحصيل العلم، وفي مشاركة الرجل في الحياة، وقد أُعجبت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بإقبال الأنصاريات على العلم حتى صرحت قائلة: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ»(2).
واستمر المسجد في التطور والنمو جيلاً بعد جيل، ليؤدي مهامه في صناعة الحياة، ليصبح جامعةً علميةً ومنارةً فكريةً رائدةً، ويتحول إلى إشعاع روحاني يفيض على المجتمع المسلم عبر العصور، وينير لهم الطريق بمواعظ وخطب تلقى من على شرفات المنابر، حتى غدت هذه المنابر الركيزةَ الأساسيةَ للمساجد في أداء رسالتها الدعوية والإرشادية والتربوية.
تاريخ المنبر في الإسلام:
المنبر هو مكان جلوس الواعظ أو الخطيب لإلقاء موعظته أو خطبته، وهو مشتق من فعل نبر، ونبر الشيءَ بمعنى رفعه، يقول ابن منظور: «المنبر: مِرقاة الخاطب، سمي منبرا لارتفاعه وعلوه. و انتبر الأمير: ارتفع فوق المنبر»(3).
(1) البخاري: كتاب العلم، باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، رقم: 99.
(2) البخاري: كتاب الحيض، باب: استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك، رقم: 99.
(3) لسان العرب: 5/ 189.