عالمية الدعوة الإسلامية (دراسة مقارنة) عبد العزيز صالح محمد الغاني

عالمية الدعوة الإسلامية (دراسة مقارنة) لعبد العزيز محمد - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ٤٤

إن الإسلام لم يهمل العقل، ولم يعطل وظيفته، ولم يقهره بخارقة لا مجال له فيها إلا الإذعان، بل أنه جعل له دوره، ووضع له نهجه، وخاطبه بمجالاته وقضاياه، ودعاه إلى التفكر والتدبر بدلائل الهداية وبواعث الإيمان؛ ليرفع عن الفطرة ركام الإلف والعادة والبلادة، وركام الشهوات المضلة، ويخاطبه بمعنى أنه يكل إليه فهم مدلولات النصوص التي تحمل مفرداته، ولا يفرض عليه أن يؤمن بما لا يفهم مدلوله ولا يدركه، فإذا وصل إلى مرحلة إدراك المدلولات وفهم المقررات، لم يعد أمامه إلا التسليم بها، فهو مؤمن، أو عدم التسليم بها، فهو كافر، وليس هو حكما في صحتها أو بطلانها، وليس هو مأذونا في قبولها أو رفضها»(1) .

ومع أنه دين العقل، لكنه لم يترك العنان له في إصدار الأحكام، بعيدا عن وحي السماء، حتى لا يضل ويشقى؛ لأن الإنسان بعقله _ بعيدا عن منهج الله _ قاصر في إدراك كل الحقائق، وأوجه قصوره متعددة(2) ، «ومن ثم فإن الإسلام قد جاء بما يكمل الفطرة، ويأخذ بيد العقل، ولم يأت بما يصادم الفطرة أو يناقض العقل، فما أحست به الفطرة من غموض؛ جاء فبينه أحسن بيان، وما اهتدى إليه العقل في إجمال واشتباه؛ جاء ففصله أحسن التفصيل، ومحا عنه الاشتباه، ونفى أوهام العقل وأغاليط الحس، ووضح الغاية ورسم الطريق»(3) .

وقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى حول ذكر العقل ومشتقاته، في صيغ فعلية، ما يقرب من خمسين مرة، وقد جاءت هذه الصيغ بمعاني العلم والمعرفة والإدراك والفهم والتمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، وضبط النفس وكبح جماحها …، إلى غير ذلك مما تحتمله معاني الآيات.

(1) _ في ظلال القرآن: سيد قطب، (ط. جديدة، دار العلم- جدة)، ص: 806.

(2) _ نبوة محمد: د. فاضل السامري، ص: 40-45.

(3) _ دعوة الفطرة: د. محي الدين أبو هلالة، ص: 60.

٤٤ / ٧٢