عالمية الدعوة الإسلامية (دراسة مقارنة) لعبد العزيز محمد - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٤٥ومن ثم جاء القرآن الكريم؛ ليكرم العقل ويطلقه من القيود التي كان مكبلا بها في الماضي السحيق، وأمره أن ينظر ويتفكر ويتبصر ويعي، ودفعه إلى النظر في الكون الفسيح أمامه، والتفكر في عظيم مخلوقات الله، وذم قوما يلغون عقولهم ويعطلونها عن التفكير، قال تعالى: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ [الأنفال: 22].، وقال سبحانه: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ [الأعراف: 179].
وهكذا نرى حكم الله قاطعا ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾ لماذا؟ لأن الأنعام لم تنل من وسائل المعرفة والإدراك مثل ما نال الإنسان، ومن ثم فإذا أغفل الإنسان تلك الملكات، ولا سيما العقل المؤدي إلى نور القلب والبصيرة؛ حوسب على الغفلة وعدم التبصر والمعرفة، وأدى ذلك إلى خسرانه في الدنيا والآخرة.
وليس أدل على ذلك مما صنعه قادة الفكر المسيحي الذين سيطروا على السواد الأعظم من معتنقي هذا الدين المحرف بقولهم: «أطفئ مصباح عقلك، واعتقد وأنت أعمى»(1) .
إنها دعوة جادة لإعمال العقل والفكر، وصولا إلى وجود الخالق - عز وجل - ، ولقد اتسمت «بالطابع العلمي منذ أول آية نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء ﴿اقرأ﴾(2) ،
(1) _ حركة التنصيرية وآثارها في المجتمع الإفريقي: خالد تميم إبراهيم باه (بحث تخرج، معهد العلوم الشرعية، 2003م مطبوع، ص 32).
(2) _ القراءة هنا رمز لكل عمل نافع يقوم به الإنسان، وإنما خص القراءة بالذكر؛ لأنها نقطة الانطلاق للإنسان ومفتاح رقيه؛ ولأن العمل في الإسلام يجب أن يقوم على العلم، والعلم مفتاحه القراءة.
وأمر الإنسان بالقراءة معناه: قدرته على أن يفعل، وقدرته على أن يترك أيضا، وهذا يعني إثبات مسؤوليته، ودور إرادته. (انظر الخصائص العامة: يوسف القرضاوي، ص: 67).