عالمية الدعوة الإسلامية (دراسة مقارنة) لعبد العزيز محمد - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٥٥تعقيب: إن مبادرة قريش لإرسال رسولين لاستعادة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة؛ تدل على إدراكها لخطورة الموقف إذا ما حصل المسلمون على مأوى لهم يأمنون فيه، والحبشة نصرانية وملكها عرف بالعدل، وهي قريبة من مكة ولو انتشر الإسلام فيها؛ لآذن بانتشاره وذيوعه في كثير من البقاع، ولشكل ذلك خطرا على قريش في المستقبل، وهم الذين يتمنون أن تكون السيادة في أيديهم، فإذا شقت الدعوة الجديدة طريقها وقريت؛ فلن يتمكنوا من الوقوف أمامها، ومن ثم فقد آلمهم وصولهم إلى الحبشة.
هذه لفتة من حادثة الهجرة إلى الحبشة.
اللفتة الثانية: أنه مما يبعث على العجب والافتخار في آن واحد؛ أن المهاجرين مستضعفون لكنهم على مبدإ الإسلام متضامنون، فعندما سألهم النجاشي عن عقيدتهم في عيسى عليه السلام، أجابوا بصراحة ووضوح: إنه عبد الله ورسوله، رغم مخالفة ذلك لعقيدة كثير من أهل الحبشة في عيسى عليه السلام، فلم يلجؤوا إلى مجاملة النجاشي أو الأساقفة الحاضرين، ولم يخافوا الرسولين فأحسن الله عاقبتهم وهيأ نفس النجاشي لحسن جوارهم ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: 128].
المبحث الثالث: موقف النجاشي من المهاجرين:
إن المتصفح لكتب السيرة يجد كثيرا من الشواهد التي تؤكد مدى حب النجاشي للمهاجرين وترحيبه وحرصه على حسن جوارهم، ومما يؤكد ذلك قوله لهم: (مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله فإنه الذي نجد في الإنجيل، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، أنزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه(.(1)
تأمين النجاشي الصحابة ووقوفه بجوارهم.
(1) _ الشفا بتعريف حقوق المصطفى: القاضي عياض بن موسى الأندلسي، (د: ط،ت، مؤسسة علوم القرآن- دمشق)، 1/197.