عالمية الدعوة الإسلامية (دراسة مقارنة) لعبد العزيز محمد - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٥٦إن تأمين النجاشي الصحابة - رضي الله عنهم - وتمكينه إياهم من نشر تعاليم الإسلام وعدم تسليمهم للرسولين اللذين جاءا من قبل مشركي قريش؛ لمن أقوى الأدلة على عالمية الدعوة الإسلامية، ومدى حرص الحق جل في علاه على الإسلام وتذليل العقبات لانتشار نوره ووصوله إلى كل مكان، فلقد ولدت الدعوة الإسلامية في مكة وهي تحمل معها دعائم عالميتها، وها هي بمرور الأيام تثبت تلك الدعائم في نفوس المدعوين، وتزرع الأمل في قلوب الحيارى والبائسين، وحيث إنها دعوة عالمية؛ فلابد أن تحمل بين طياتها ما يؤمن مستقبلها وما يمهد لها الطريق للوصول إلى نفوس المدعوين، وليست أدل على ذلك من أن النجاشي حين استمع هو والرهبان والقساوسة إلى آيات القرآن الكريم اعترفوا بأنه كلام الله وفاضت أعينهم من الدمع، قال تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ [المائدة: 82-84].
لقد بكى النجاشي حين سمع سورة مريم حتى اخضلت لحيته وقال: (إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة((1) ، وبكت أساقفته أيضا حين استمعوا إلى ما تلا عليهم، وقال للصحابة - رضي الله عنهم - :
(اذهبوا فأنتم آمنون، ما أحب أن لي جبلا من ذهب وأني آذيت رجلا منكم(.(2)
وهكذا اتضح أن إيمان النجاشي من أقوى الأدلة على عالمية الدعوة الإسلامية؛ لأن إيمانه آمن بطارقته والقساوسة من حوله، ومن ثم فقد دخل الإسلام الحبشة من أوسع أبوبها.
(1) _ السيرة النبوية لابن هشام، 1/336.
(2) _ الكامل في التاريخ: ابن الأثير (ت: 630هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية- بيروت، 2/81.