دروس حول فقه المعاملات
الجزء ١ · صفحة ١٠٦المبحث الأول تعريف الطلاق وحكمه ومشروعيته: يشتمل المبحث على ثلاث مطالب:
المطلب الأوّل تعريف الطلاق وحكمه: الطلاق في اللغة حلّ القيد، ومنه أطلق الناقة إذا حلّ قيدها وأطلق الأسير إذ فكّ أسره لكن العرف خصّ الطلاق بحلّ القيد المعني وهو في المرأة.
وشرعا حلّ قيد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه وعرّفه في شرح النيل قال:» هو حلّ العصمة المنعقدة بين الزوجين، وهو موافق لمدلول اللغة أو بعض أفراده لأنّه لغة حلّ الوثاق أخذا من الإطلاق وهو الإرسال وألفاظه نوعان: صريح بلفظ أنت طالق، وكناية كانت بائن، أو الحقي بأهلك، أو هذا فراق بيننا، فإذا تلفّظ بالطلاق فهو ماض لا رجوع فيه، أمّا إذا كان بكناية فصاحبه يُدين فإن نوى الطلاق مضى وإلاّ فلا «.
المطلب الثاني حكم الطلاق: حكم الطلاق مختلف فيه، فمن العلماء من يرى أنّ الأصل فيه الإباحة إلاّ لعارض وهو طلاق البدعة كما يأتي وقيل الأصل فيه الحظر، لما يعتبر من الاحتياطات لعدم وقوعه ذلك ما ذكره الدكتور عبد الرحمن الصابوني في كتابه (نظام الأسرة وحلّ مشكلاتها) فقال:» لقد أوصى الله كلاّ من الزوجين بحسن معاملة الآخر، بل ذهب القرآن إلى الأمر بالمعاشرة الحسنة ولو مع كراهة فقال: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِير﴾ [النساء: 19]، وقال - عليه السلام -:» لا يفرك مؤمن من مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر «رواه مسلم، وجاء أعرابي إلى عمر فقال يستشيره: أأطلق زوجتي فقال عمر: لا تفعل فقال: لكنّي لا أحبّها فقال: ويحك ألم تبنى البيوت إلاّ على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمّم «وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوِ اِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَّصَّالَحَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 123] أي خير من الفراق وقال: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمُ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] فرفع الجناح قبل المسّ الخ مما طال به.
والقول الراجح أنّ الطلاق مباح إذا حصل لموجب ضروري لا عضل فيه ولا إضرار، وقد يكون واجبا إذا اتّفق أنّه لا يمكن استمرار العشرة بين الزوجين أو عدم إمكان القيام بحقوق أحدهما للآخر. ويكون مكروها إذا كان لأسباب بسيطة كعدم التلاؤم التام أو عدم لباقة المرأة في بعض الحالات، أو لها أولاد كثيرون ممّا يجعل زواجها بآخر متعذرا وقد قامت به ولم تقصّر في حقّه ويكون منذُوبا وذلك في طلاق غير العفيفة أو سيئة الخلق.
المطلب الثالث مشروعية الطلاق: الطلاق مشروع بالكتاب والسنّة.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانْ﴾ [البقرة: 229] وقوله: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمُ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236].