دروس حول فقه المعاملات الحاج أحمد بن حمو كروم

دروس حول فقه المعاملات

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

فيما شرعه من مراعاة القوي للضّعيف فأوجب حقّه عامّا وخاصّا وقد بيّن ذلك فقال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ ثمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضُعْفٍ قُوَّةً ثمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ [الروم: 54]، فاقتضت حكمة الله تطوّر الإنسان في مراحل حياته لكن شرّع ما يناسب ذلك لتقوى رابطة المجتمع فأوجب حقّ الضّعيف على القوي من ثلاث جوانب حسب أدلّة القرآن والسنّة.

1 - جانب الصّغر حيث أوجب مراعاته فقال: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنَ اَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ الخ [البقرة: 232].

فالصّبي يولد ولا حول له ولا قوّة فشرع إرضاعه وجوبا أو ندبا حتّى لا يضيع فضلا عمّا أقرّ من حنان في قلب أمّه يجعلها لا تستطيع إهماله إلاّ لشذوذ أو أمر قاهر خارجي، وأوجب على من ولد في فراشه نفقة مرضعه إلى غير ذلك من نصوص الشّرع.

2 - ضعف الكبر فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إيَّاه وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ وذلك غني عن التّعليق.

3 - اليتيم فقد أوجب حقّه عامّة لفقدان من تعلّق به حقّه بالأولى فحرّم إضاعة ماله وأوجب مراعاته حتّى يبلغ أشدّه فقال: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَن﴾ [الإسراء: 34].

فنرى أنّ الحكيم الخبير أوجب مراعاة الأسرة إذ هي اللّبنة الأولى في المجتمع ليقوم على أساس متين من مراعاة الصّبي ومراقبة نموّه بدنيا وعقليا وخلقيا، كما لا نهمل اليتيم والكبير الضعيف فشرعت الحضانة والحقوق والنّفقات ولمّا كان ذلك لا يثبت إلاّ بثبوت النّسب فلا بدّ من بحث حول ثبوته فيشتمل الباب على ثلاث فصول يتقدّمها تمهيد.

الفصل الأوّل

النسب

يشتمل الفصل على تمهيد ومبحثين:

تمهيد:

أتى الزحيلي في أوّل الكلام على النّسب بتمهيد مفيد رأيت أن آتي به وهو ضروري للبحث حول النّسب وثبوته فقال:

عناية الشّرع بالنّسب، وتحريم التبنّي والإلحاق من طريق غير مشروع.

النّسب أقوى الدّعائم التي تقوم عليها الأسرة ويرتبط بها أفرادها برباط دائم من الصّلة تقوم على أساس وحدة الدّم والجزئية والبعضية، فالولد جزء من أبيه والأب بعض من ولده.

ورابطة النّسب هي نسيج الأسرة التي لا تنفصم عراه وهو نعمة عظمى أنعمها الله على الإنسان، إذ

١٢٩ / ١٥٢