دروس حول فقه المعاملات الحاج أحمد بن حمو كروم

دروس حول فقه المعاملات

الجزء ١ · صفحة ١٣١

لولاهما لتفكّكت أواصر الأسرة وذابت الصّلات بينهما، لما بقي أثر من حنان وعطف ورحمة بين أفرادها، لذلك امتن الله على الإنسان بالنّسب فقال: ﴿وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: 54].

وقد منع الشّرع الآباء من إنكار نسب الأولاد وحرّم على النّساء نسبة ولد إلى غير أبيه الحقيقي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» أيّما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنّة، وأيّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأوّلين والآخرين يوم القيامة «رواه أبو داود والنّسائي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة وهو صحيح.

ومنع الأبناء من الادّعاء إلى غير آبائهم فقال:» من ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنّة عليه حرام «رواه أحمد والبخاري ومسلم.

وحرّمت الشريعة نظام التبنّي وأبطلته بعد أن كان في الجاهلية وقد تبنّى النّبي - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة قبل النبوءة إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُم ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أُدْعُوهُم لِآبَائِهِم هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ الخ [الأحزاب: 4 - 5].

فالحقّ يدعو والعدل يقضي ويوجب نسبة الولد إلى أبيه الحقيقي لا لأبيه المزوّر والإسلام دين الحقّ والعدل.

والعنصر الغريب عن الأسرة لا ينسجم معها سواء أكان ذكرا أم أنثى فمن تبنّى لقيطا أو مجهول النّسب دون أن يدّعي أنّه ولده لم يكن ولده ولا يصحّ التّوارث بينهما ولا يجري عليه أحكام التّحريم بالقرابة، ومن كان له أب معروف دعي إلى أبيه، ومن جهل أبوه كان مولّى وأخا في الدّين منعا من تغيير الحقائق وحفظا لحقوق الآباء والأولاد من الضّياع.

لكن لم يمنع الإسلام تربية ولد لقيط وتعليمه ثمّ حجبه من الأسرة إذا بلغ أو قبله بقليل، وإنّما فتح باب الإحسان إليه من أوسع نطاق وعدّ ذلك إنقاذ للنّفس من الهلاك وإحياء النّفس البشرية، ﴿وَمَنْ أَحْيَا نَفْسًا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

ونسب الولد لأمّه ثابت في كلّ حالات الولادة شرعية أو غير شرعية، أمّا نسب الولد لأبيه فلا يثبت إلاّ من طريق الزّواج الصّحيح أو الفاسد أو الوطء بشبهة أو الإقرار بالنّسب.

وأبطل الإسلام إلحاق الولد عن طريق الزّنا حسبما كان في الجاهلية فقال - صلى الله عليه وسلم -:» الولد للفراش وللعاهر الحجر «رواه الجماعة إلاّ التّرمذي، وقد دلّ ظاهر الحديث على أنّ الولد إنّما يلحق بالأب بعد ثبوت الفراش وهو لا يثبت إلاّ بعد إمكان الوطء في الزّواج الصّحيح أو الفاسد وهو رأي الجمهور (وسيأتي رأي المذهب قريبا) وروي عن أبي حنيفة أنّه يثبت مجرّد العقد وردّ بأنّه لا بدّ من إمكان الوطء اهـ.

١٣٠ / ١٥٢