دروس حول فقه المعاملات الحاج أحمد بن حمو كروم

دروس حول فقه المعاملات

الجزء ١ · صفحة ٢٥

اعتبر بعض العلماء أنّ النّهي عن الرّبا نهي تعهّد لم تدرك علّته ولمِا ورد من قول عمر - رضي الله عنه - مات النّبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبيّن لنا علّة الرّبا.

ومن العلماء خاصّة المتأخّرين وقد ظهرت مضار الرّبا من يرى أنّ الرّبا وما فيه من مضار ظاهرة وما ورد فيه من وعيد من كتاب الله وسنّة رسول الله: لا يمكن أن يكون لمجرّد التعبّد واحتجّوا لذلك لتشمل عليه نصوص الشّريعة من آيات الرّبا من الوعيد الشّديد والعقاب الدّائم: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275]، وما فيها من تشنيع على متعاطيه واعتباره حربا لله ورسوله وما أثبت الرّسول - صلى الله عليه وسلم - من اللّعنة الشّاملة لكلّ من يمتّ له بصلة، لا يمكن أن يكون كلّ ذلك لمجرّد تحريم تعهّدي فقط والمألوف من شرع الله أن لا يمنع عن خلقه مكسبا إلاّ إذا كانت فيه مضرّة بدنية أو خلقية أو اجتماعية.

فقد حرّم الله الرّبا لما فيه من أضرار ظاهرة وباطنة وذلك: أنّ الله تعالى يربّي المسلمين على التّراحم والتّعاطف فيما بينهم فما كان لأحدهم من فضل مال أو غيره نفع به غيره ولا يأخذ من مال أخيه إلاّ ما كان في مقابل عناء أو منفعة.

وذلك ما أشار إليه في قوله في التّفرقة بين البيع والرّبا: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] فالبيع حلال لما فيه من عون والرّبا حرام إذ ليس فيه إلاّ الاستغلال.

فالحكمة من تحريم الرّبا تظهر فيما يلي:

1. إنّما جعلت الأثمان لتكون في مقابل المثمّنات التي يتحقّق بها الانتفاع عاجلا أو آجلا فإذا صارت هي المقصود من الاستغلال أصبح في ذلك مضرّة نقصانها من أيد النّاس حيث تبقى بيد من يستغلّها للرّبح الرّبوي عوض استغلالها في تجارة أو صناعة أو قرض.

2. أنّ المرابي يأخذ الفائض من ماله من ربح بدون أن يتعرّض لخسارة بل الآخذ للمال هو الذي يتحمّل وحده ما يمكن من خسارة فالمرابي يأخذ ولا يعطي، وليس هذا بعدل ولا مروؤة.

3. استغلال حاجة المحتاج فمن أخذ مالا بالرّبا في الغالب لا أخذه إلاّ وهو في أمسّ الحاجة إليه وربّما كان مضطرّا وعندما يصل أجل الدّفع ربّما لا يجد ما يدفع فيضطرّ إلى طلب التّأخير في الأجل والزّيادة في الرّبا وهكذا فربّما تأتي الزّيادة على كلّ ماله حيث في كلّ مرّة يعجز عن التّسديد إمّا لفقره وإمّا لعسر حاله وإمّا لآفة أتت على ماله والمرابي لا يرحم.

4. المضرّة الأخلاقية: حيث كان النّاس يقرض بعضهم بعضا من باب التّعاطف والإحسان فلمّا تعاطى النّاس الرّبا واستلذّوا الفائدة بلا تعب: انصرف النّاس إلى الرّبا تاركين كلّ خلق ودين.

٢٥ / ١٥٢