كفالة اليتيم لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ٢وامتحان لصبرك وإخلاصك في فعل الخير دون انتظار محمدة أو أجر، وتدريب للنفس على رقة القلب، وتوجيه لك إلى الشكر المستمر وبخاصة حينما تقارن نفسك بهؤلاء المفجوعين والمصدومين. فاطمح أخي في الله أن ترعى يتيما من أيتام المسلمين كما طمَع بنو إسرائيل في الفوز برعاية مريم بنت عمران عليها السلام، حتى اضطروا أن يقترعوا فيما بينهم ويلقوا أقلامهم في النهر أيهم يفوز بشرف كفالتها، ففاز بذلك نبي الله زكرياء عليه السلام، يقول تعالى: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ.
وعن أبي الدرداء ض قال: أتى رجل إلى النبي ص يشكو قسوة قلبه، فقال له: "أتحب أن يلينَ قلبُك؟ قال: نعم، قال: "فأَدْنِ اليتيمَ إليك، وامسحْ برأسه، وأطعِمه من طعامك، فإن ذلك يُلين قلبَك، وتقدِر على حاجتك.
فلا ينبغي أن نتهرب من هذه العبادة المباركة، أو أن نجعل حواجز بينا وبين الطفل البريء المفجوع، والفاقد للحرمان والعطف الأبوي، ولنجتهد أن نربي اليتامى برحمة وعطف وتفان وإخلاص؛ نصطحبهم معنا في حلنا وترحالنا، ونبيِّتهم في منازنا، ونقيمهم مع أولادنا، وندمجهم في أسرنا، ونرغِّب الذكور منهم في الدراسة أو التكوين، ونوجههم في اختيار الأنشطة الثقافية والرياضية، كما نتابع الفتاة اليتيمة في مراحل تعليمها وتكوينها، ثم نساعدها في تحمل أعباء الزواج، ورعاية مصالحها. ومع ذلك فإن الله محاسبُنا على الصبر مع الأيتام في حل إشكالاتهم الاجتماعية، وقضاياهم الواقعية، وملزمُنا بإبعادهم عن مزالق الضالين ومكائد قرناء السوء، يقول رسول الله ص: "إِنَّ أَحَبَّ الْبُيُوتِ إِلَى اللَّهِ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ مُكْرَمٌ".
ونحن إذ نؤدي مسؤولية رعاية الأيتام فإننا نستشعر نعمة الحياة التي نتنعم بها مع أولادنا، والتي حُرمها هؤلاء الأيتام دون سبب ولا ذنب، سوى أن الله إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، وسوى أن الله كتب على نفسه وقال: فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ.
ونحن ولا شكَّ جميعًا على جناح السفر، وسنودع هذه الحياة الفانية وَفْقَ أقدار الله، ورُبَّما أن أجل الواحد منا قريب دون أي أمارات ولا أشراط، فتب أخي المؤمن إلى الله توبة نصوحا، واعمل على هديه تعالى وصراطه المستقيم، مدركا لما أمرك به، وعارفا بما كلفك به دون منٍّ ولا رياء، وفقيها بالأحكام الذي أناطها الله برعاية أيتام المسلمين دون تضييع ولا استغلال لضعف حالهم. وهذه أخي الصابرُ المحتسبُ جملة من الواجبات المالية، ومجموعةً من أخلاقيات التعامل مع هذه الشريحة الواجبِ علينا رعاياتُها وكفالتُها: