وظيفة الخطباء والأئمة في توعية الأمة بفكر الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف الديني الدولة الرستمية أنموذجا للحاج أحمد كروم
الجزء ١ · صفحة ١٤المطلب الثاني: مميزات المنبر الفاسد:
هذا المنبر يقف عليه رجل مرشد للناس ولكنه يمتاز بأخلاق بعيدة عن الاعتدال والحق والصواب، جاهل يدعي العلم، مغتر بنفسه، يخطب للفتنة والتفرق، ينتظر من الناس الشكر والثناء، يرائي بأعماله، وربما لا يصبر مع الناس بل يغضب لأتفه الأسباب، يستقصي في حقه ولا يعفو عمن ظلمه، بل يستعمل القساوة أحيانا في مواطن اللين، وأحيانا يستعمل اللين في مواطن الجد والحزم .. فهذا لا يصلح أن يكون قدوة لغيره لأنه بمثل هذا السلوك المنحرف سوف ينمي التطرف والغلو في أتباعه، أو يتركه ينتشر ولا يعرف له نهجا سليما لمقاومته وتطهير المجتمع المسلم منه ..
فقد حذرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أمثال هؤلاء الخطباء فقال: «ما أخاف عليكم بعدي مؤمنا ولا كافرا، أما المؤمن فيحبسه إيمانه، وأما الكافر فقد أذله الله بكفره، ولكن أخاف عليكم منافقا عالم اللسان جاهل القلب يتكلم بما تعرفون ويفعل ما تنكرون(1)»
وقد أنذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا النوع من الأئمة فقال لهم: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فهو في جهنم(2)» وفي رواية: «لقي الله يوم القيامة وهو خائب من الحسنات(3)»
و جزاء هذا النوع من الدعاة هم أبعد الناس عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة وأبغض الخلق إليه. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون» قالوا: يا رسول الله علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال «المتكبرون(4)».
المبحث الرابع: نماذج من الفكر الوسطي في أئمة الدولة الرستمية وخطبائها:
اخترت الدولة الرستمية كنموذج عملي واقعي في التاريخ الإسلامي لأنها دولة إسلامية نجحت إلى حد بعيد في تحقيق هدف هذا المؤتمر الكريم ولكن لا يعرفها كثير من الناس، وأعرض ذلك في خمسة مطالب هي:
المطلب الأول: تعريف الدولة الرستمية:
الدولة الرستمية هي أول دولة إسلامية مستقلة في المغرب الأوسط عاصمتها تيهرت في غرب الجزائر يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط ومن الغرب تلمسان وسجلماسة دولة بني مدرار في تافلالت بالمغرب، ومن الجنوب الصحراء الكبرى حيث مدينة تلغمت جنوب الأغواط وبسكرة وورقلة، ومن الشرق برقة في الحدود الليبية المصرية.
وهي تنسب إلى مؤسسها الأول عبد الرحمن بن رستم الفارسي (ت170هـ) .. وقد أنشأها سنة 160هـ واختطها مع من معه من القبائل البربرية هناك .. وقد وصفها اليعقوبي في القرن 3هـ بقوله: «والمدينة العظمى تاهرت
(1) - الترمذي رقم 2018 عن جابر بن عبد الله
(2) - الربيع رقم: 964 عن جابر مرسلا
(3) - الربيع: رقم 33 عن أنس بن مالك
(4) - الترمذي رقم: 2018 عن جابر بن عبد الله