السيرة النبوية لبوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢فِعْلاً حينَ اشْتَكَى المُسْلِمون مرّةً أُخْرَى إِيذاءَ المُشْركيَن لَهُمْ، واسْتَأْذَنوهُ في الهِجْرَةِ إلى مكانٍ يَكونُ أَكْثَرَ أَمانًا لِلعِبادَةِ، وأَحْسَنَ أَمْنًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قال لهم الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم: " قد أُخْبِرْتُ بِدَارِ هجرتِكم، وهي " يثرب "، فمن أراد الخروج فَلْيَخْرُجْ إليها." هكذا فرّج الله عنِ الصّابرين، ونفّس عنِ الثّابتين على دينه، وَأَوْجَدَ لهم وَسيلَةَ الخُروجِ من هذا الوَضْعِ، بعد أنْ حَصَلُوا على رِضاهُ، ونالُوا جَزاءَهُ. ﴿ …ومن يتّقِ الله يجعلْ لهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ من حيثُ لا يَحْتسِبْ… ﴾ (الطّلاق، الآيتان: 2،3)
# الشُّروع في الهحرة
شَرَعَ المسلمون في الهجرة، بعد أنْ أَذِنَ الرّسولُ صلّى الله لهم بذلك. وكان بدءُ خروجِهم إلى يثرب في مطلع السّنة الثّالثة عشرة لِلبِعْثَةِ.
كانوا يغادرون مكّة فُرادَى وجَماعاتٍ، يَخْتفون عن أَعيُنِ قريش؛ حتّى لا تمنعهم من الهجرة، ولِيَسْلًمُوا من أذاها. وكانوا يختارون اللّيل، ووقتَ الظّلام للخُروجِ.
كان أوّل المهاجرينَ أبو سلمة بنُ عبدِ الأسدِ وزَوْجُهُ وابنُهُ، وكانَ أوَّلَ من قدم يثرب ثمّ قَدِمَ بعده عامر بن ربيعة، ومعه زوجُه بنت أبي حَشْمَة، وهي أوّل ظَعِينَة ( المرأة التي تكون في الهودج) قَدِمَتْ "يثرب " ، ثمّ تتابع قدوم أصْحابِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَرْدًا بعد فَرْدٍ، وجماعةً بعد جماعَة.
كانت قريش إذا عَلِمَتْ بِشَخْصٍ يُريدُ الهجرةَ عَمِلَتْ على مَنْعِهِ، ومن هاجر فعلا قامَتْ على إِعادَتِهِ بأيّة وسيلة، بل أغْلَظَتْ عليه وآذَتْهُ. فَكَمْ أرجعت من أشخاصٍ، وكم منعت، وكم عذّبت… لكنّ ذلك لم يُوقِفْ موجَةَ الهجرة، ولم يؤثّر على المسلمين، فقدْ تَتَابَعُوا في الهجرة، فلََمْ يبقَ بمكّة - في بداية الهجرةِ – إلاَّ هؤلاءِ: