التصوف الإسلامي والبناء الحضاري للشباب للحاج أحمد كروم
الجزء ١ · صفحة ٥وهذه المرحلة من العمر تجتمع فيه غرائز الأنّسأنّ تدفع به إلى القيام بجميع هوى النفس المادية والمعنوية تلح عليه ذلك إلحاحا ذكورا كانّوا أو إنّاثا، فمن كبح جماح نفسه ونهى النفس عن الهوى كان شابا صالحا، ولذلك اختاره الله تعالى مع السبعة الذين يظلهم بظله يوم القيامة، وأما إذا أطلق العنانّ لنفسه، ترتع في الموبقات والمعاصي ولم يتب منها فإنّ الله سائله عن شبابه فيما أبلاه ويحاسبه على ذلك حسابا عسيرا.
المبحث الثأنّي: التصوّف والمدرسة الإباضية.
بعدما تتبعت مصادر المدرسة الإباضية في التربيّة والشريعة لم أجد لمصطلح التصوّف حضورا بالمعاني التي وردت في كتب التصوّف، رغم أنّنا نجد بعض هذه المصادر قد كتبت عن التصوّف بل حاولت أن تأتي بنسج جديد لهذا المصطلح الشائع في الحواضر العلمية منذ القرن الثاني الهجري، وأذكر منها:
1 - كتاب تبيين أفعال العباد للشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (ت:504هـ) إبن مؤسس حلقة العزابة …
2 - كتاب قناطر الخيرات للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت:750) الذي يعتبر اختصارا لكتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت:505هـ).
3 - كتاب قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة للشيخ جميل بن خميس السعدي (ق:11هـ) ج 10 منه خصص فيه الباب الخامس والعشرين في شيء من التصوّف وصفات النفس من معأنّي علم الحقيقة (82 صفحة).
4 - كتاب شرح النيل وشفاء العليل للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (ت: 1332/ 1914) الذي خصص خاتمة الكتاب في جزء 17 منه موضوع التصوّف شرحا لما كتبه الشيخ عبد العزيز الثميني في النيل (ت: 1223/ 1808) في 40 صفحة،
وجميع هؤلاء المؤلفين يتفقون مع الصوفيّة في الدعوة إلى الزهد في الدنيا والتوبة من المعاصي ووجوب الاهتمام بأمور المسلمين، وعدم الركون إلى الظلم والفساد، حتى تسمو النفس إلى المراتب العليا من الرضى والقبول عند الله تعالى.
كما أنّها تدعو إلى الإقبال على تطهير القلب وتزكية النفس بالأخلاق الحميدة والعقيدة الإسلامية الصحيحة، وبعضهم يعلن صراحة الرفض التام للممارسات الصوفية أثناء عملية تزكية النفس من التواجد والشطحات على وقع الدفوف وغير الدفوف.
كما أنّها تدعو إلى الكرم والتعاون على البر والتقوى والإحسان إلى الفقراء والمساكين وابن السبيل من أهل العلم وغيرهم.
ولا يتم التصوّف إلا بالإقبال على التعليم الديني من فقه الشريعة وعلوم القرآن والتفسير والحديث والعقيدة والتاريخ واللغة العربية بالتدريج وحفظ المتون، أمام شيخ الحلقة العلمية في الزاوية.
والزاوية في مصطلح هذه الحلقات الإباضية هي الحبس، كما ورد في معجم مصطلحات الإباضية، وهذا الحبس الصغير هو خروج التلميذ إلى خارج حلقة العزّابة للتأديب والزجر على مخالفة يقوم بها بعض صغار التلاميذ(1).
المبحث الثالث: جذور المدرسة الحرّة في الجزائر
المطلب الأول: المدرسة الحرّة قبل الاستعمار
التعليم الحرّ(2) أو المدرسة الحرّة هو نظام تربوي أهلي في الجزائر، تطور عن نظام التربيّة في الجماعات الإباضية في البصرة منذ نشأة المذهب الإباضي في العراق على يد التابعي الجليل الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني رحمه الله (ت:93هـ) في القرن الأول الهجري، ثم خَلَفه أبوعبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي في غار له في البصرة بعيدا عن أعين الوالي الأموي الحجاج بن يوسف الثقفي إلى أنّ توفي سنة 145 هـ، وقد تخرج في معهده حملة العلم إلى المشرق وهم: الربيع بن حبيب – وأبو سفيان محبوب بن الرحيل – وأبو جابر موسى بن أبي جابر الأزكوي – وأبو المنذر بشير بن المنذر النزوي والمنير بن النير الجعلانّي – ومحمد بن المعلي الكندي.
وحملة العلم إلى المغرب وهم: