الدعاية إلى سبيل المؤمنين لأبي إسحاق اطفيش-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٤العاقلة وترك سلطان الشهوة يستولي عليها برجل معه ياقوتة حمراء شريفة لا قيمة لها من الذهب والفضة جلالة ونفاسة، وكان بين يديه نار تضرم فرماها في حباحبها حتى صارت كلسا لا منفعة فيها فخسرت وخسر ضروب منافعها.
إعلم أن النفس العاقلة إذا عرفت شرف نفسها وأحست بمرتبتها من الله عز وجل أحسنت خلافته في تربية قواها الثلاث: العاقلة والسبعية والبهيمية وسياستها ونهضت بالقوة التي أعطاها الله تعالى إلى محلها من كرامة الله تعالى ومنزلتها من العلو والشرف ولم تخضع للسبعية ولا للبهيمية، بل تقوم النفس الغضبية (وهي السبعية) وتقودها إلى الأدب بحملها على حسن الطاعة، ثم تستنهضها في أوقات هيجان هذه النفس البهيمية وحركتها إلى الشهوات حتى تقمع بهذه سلطان تلك وتستخدمها في تأديبها وتستعين بقوة هذه على إباء تلك.
قال بعض علماء النفس: إن الغضبية قابلة للأدب قوية على قمع الأخرى، والبهيمية عادمة للأدب غير قابلة له (على هذا الرأي)
وأما النفس العاقلة فقد شبهها كبار الحكماء والفلاسفة كابن مسكويه(1) بالذهب في اللين والانعطاف، فمتى آثرت الفعل
(1) هو أبو علي أحمد بن مسكويه الخازن من كبار الحكماء، وأجلاء علماء الأخلاق درس العلوم الحكمية في الكتب اليونانية المترجمة إلى العربية واستخلص لبها وبرع في علم النفس، ومن كتبه تهذيب الأخلاق من النفائس في فنه، قرن فيه الحكمة بالشريعة وبين طرق التربية وتهذيب النفس وإنماء الفضائل فيها وتجريدها من أدناس الخصائل، وكان من الأطباء المهرة جمع بين طب العقول وطب الأبدان له تآليف كثيرة فيهما وفي التاريخ توفي سنة 421هـ
2)