الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٢٣٤

ونجد في رقة أسلوب القرآن الكريم ودقة تعبيره ما يدل على عظم حق الوالدين ولزوم اليقظة في معاملتهما بالرفق والإحسان كيفما كان تصرفهما الناشئ عن تأثير الكبر عليهما ، وذلك فيما وصى الله تعالى به في سورة الإسراء ، حيث قال : ?وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا? (1) .

وذلك أن الله سبحانه نبه بلطيف إشارته إلى ما عسى أن يصدر من الوالدين عندما يبلغان الكبر عتياً، فقد يلقى منهما ولدهما جفوة وحدة ؛ فعليه ألا يقابله بشيء من التضجر والامتعاض ، بل عليه أن يكون موطأ الأكناف لطيفاً في معاملتهما ، فإن بلوغ الكبر مظنة صدور الجفوة ؛ لأن من شأن الكبير أن يتبرم لأدنى شيء وأن يتضجر من كل ما يلقاه.

فلربما كانا في هذه الحالة لا يرضيهما ما يعاملهما به من بر ، ولا يقنعهما ما يجدانه منه من معروف ، فعليه أن يصبر لذلك كله ، وألا يقابل ما يصدر منهما من جفاء بجفاء ، وإنما عليه أن يقابله بالصبر والاحتمال ، ولا أدل على ذلك من نهيه عن كلمة (أف)، فإنها كلمة تدل على التضجر عندما يلقى قائلها ما يكره ، فعلى الولد ألا يتضجر بما يلقى من والديه وهما قد بلغا من الكبر عتياً، بل وإن لم يكون كذلك فإن عليه احتمال ما يصدر منهما من غير أن يتضجر أو يتأفف.

(1) الآية رقم ( 23 – 24 ) من سورة ( الإسراء ) .

٢٣٤ / ٣٩٩