الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ١

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على الهادي الأمين ، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أمابعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛

جعل الله تعالى إصلاح الناس والأمم مهمة المرسلين الكرام عليهم السلام (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ) ،وقد ختم الله تعالى كوكبة الأنبياء بواسطة عقدهم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، فآل أمر الإصلاح من بعدهم إلى علماء هذه الأمة يسددون خطاها، ينفون عنها غلو الغالين وتحريف المبطلين، فعمل المخلصون منهم على النهوض بها من كبوتها وإيقاضها من غفوتها، وهذه هي مهمة التجديد، التي جعلها الله تعالى خاصية من خصائص الأمة المحمدية، ومن هؤلاء المجددين سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان حفظه الله تعالى، الذي امتد عطاؤه في شتى ميادين الحياة.

وبين يدينا الآن كتاب "الدين الحياة" وهو مجموعة رسائل إصلاحية توجه بها سماحته إلى الأمة في فترات مختلفة من الزمن؛ عبر مسيرة للبناء والتوجيه للناس، قمت بإعدادها وضبطها وتبويبها، فحصلت في سبعة أبواب رئيسية، كل باب يحوي عدة رسائل، راعيت فيها الشمول والتنوع، بحيث تشمل جميع المجتمع، وتتنوع بتنوع جوانبه، ثم بعد أن أوشكت على الانتهاء من الإعداد عرضتها على سماحته، فقام بضبطها حتى تخرج في أبهى حلة وأجدى طريقة.

وأترك القارئ الكريم مع علم سماحته ليغرف من بحر علمه الواسع وينتفع بعقله الأخلاقي؛ الذي بثه في كل حرف من حروف هذا الكتاب، فكان بحق كتاب علم وأخلاق.

ولا يسعني في الختام إلا أن أتوجه بالشكر إلى مؤسسة الأجيال للنشر على عنايتها بإخراج علم سماحة الشيخ عموماً وعلى إخراجها هذا الكتاب خصوصاً

والله ولي التوفيق

تغيير المنكر في المجتمع

1- الإصلاح من سنن الله الكونية:

إن الإنسان في الحياة يتحمل تبعة كبيرة ، فوجوده يختلف عن وجود كل الكائنات الأخرى ، من حيث إن وجوده يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسنن وقوانين كونية جعلها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ترتبط بتكيّف الإنسان مع أمره سبحانه ونهيه ، فإن الإنسان في حياته يتحمل الكثير من المسؤوليات وينوء بالعديد من التكاليف، لأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لم يخلقه هملاً ولم يتركه سدى ، بل خلقه ليتحمل أمانة الخلافة في الأرض، والسيادة في الكون ، وذلك موقوف على نهج رباني يجب على الإنسان أن يلزمه ولا يحيد عنه ، وقد هداه الله النجدين ليرى ما يستعمله ، وليبوء بما يفعله من خير أو شر، فإن المنقلب رهين ما يكون عليه الإنسان في هذه الحياة ، والمصير منوط بالمسير، والجزاء من جنس العمل، وقد جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - آثار فعل الإنسان من خير أو شر؛ تنعكس انعكاسا جلياً واضحاً في حياته ، وفي بيئته التي يتقلب في أعطافها ، بل وفي هذا الكون ، وهذا واضح في الآيات الكثيرة من كتاب الله سبحانه، فإنه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول : ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ (1) ويقول : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون ﴾ (2) ويقول: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾ (3) ولئن كان فساد الإنسان تنعكس آثاره في البر والبحر فأحرى أن تنعكس آثاره في حياته وحياة جنسه ، ونحن نجد في كتاب الله العزيز ما يدل على أن

(1) الآية رقم ( 16 - 17 ) من سورة ( الجن ) .

(2) الآية رقم ( 96 ) من سورة ( الأعراف ) .

(3) الآية رقم ( 41 ) من سورة ( الروم ) .

١ / ٣٩٩