الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦ولما كانت نظرته كذلك فإنه كثيراً ما يكون مشغولاً بفروعه عن أصوله ، لأنه يرى أن حياة أولاده امتداد لحياته عندما ينتقل إلى الدار الآخرة ، إذ يبقى له الذكر ببقائهم، فلذلك يحرص على استمرار الذرية ويكدح دائماً من أجل إسعادها ، ويجبن ويبخل من أجلها، فليس هو بحاجة إلى أن يوصى بالإحسان إلى هؤلاء ، وإنما هو بحاجة إلى أن يعطف عنقه ويلفت نظره نحو أصوله.
فإن من طبعه أن لا يلتفت بنفسه ، لينظر في منبته وأصله، فإنه يرى أن حياة الآباء والأمهات ليست امتداداً لحياته المحدودة وإنما حياة أولاده هي امتداد حياته ، إذ الآباء والأمهات حلقة مضت في هذه الحياة ، فعيشتهم عيشة شيخوخة وضعف وهرم وحياتهم حياة إدبار، بخلاف حية الأولاد التي هي معقد الآمال، لذلك يتسلى الوالد في حال شيخوخته وضعفه بما يراه في ولده من القوة والفتوة ، ويرى أن ذلك امتداد لقوته وفتوته، كما قال الشاعر التهامي:
وقلت شباب ابني شبابي وإنما
تحول شطر العمر مني إلى شطري
وكما جاء في كتاب الله المجيد الحض على القيام بحقوق الآباء والأمهات ، كذلك جاء ذلك في سنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، فهناك الجم الغفير من الأحاديث المروية عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التي توصي بحسن معاملة الأبوين، ويكفينا أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام عندما ذكر الموبقات السبع التي ترمي صاحبها إن لم يتب منها في النار ؛ ذكر من بينها عقوق الوالدين(1) ، هذا دليل على خطورة العقوق.
وجاء في الحديث عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من أدرك والديه ولم يدخل بهما الجنة فلا أدركهما"(2)، وقال عليه السلام: "من هاجر أحد والديه ساعة من نهار كان من أهل النار إلا أن يتوب"(3)، وقال: "لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر"(4).
(1) البخاري ( 2615 ) ، مسلم ( 89) .
(2) الربيع (725).
(3) البريع (726).
(4) ابن حبان ( 3384 ) ، السنن الكبرى للنسائي ( 5182 ) .