الرد على جميع المخالفين لأبي خزر
الجزء ١ · صفحة ٧٣وإنّما وقع التغاير على الخلق في باب لم يكن ويكون وكان ولا يكون، وكل ما جاز فيه لو جاز التكلم فيه وأجرى القدرة عليه، قال الله عزّ وجلّ : { وَلَوْ(1) عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُم لَتَوَلّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ }(2) فلو أنّ فيهم خيرا لَعَلِمَهُ الله، ولكنّه علم أنّ لا خيْر فيهم. وقال في موضع آخر : ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وإنّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾(3) فردّهم لا يكون. وفي هذا الباب كلام كثيرا اقتصرنا(4) على ما فيه الكفاية إن شاء الله لمن أراد الله توفيقه وهداه.
باب
الرّدّ على المعتزلة
وسألته عن الدليل على خلق الأفعال. [فقال](5) : دَلّ القرآن على خلق الأفعال(6) ،
(1) 57) في أ + ج : جاءت : "لو" وهو خطأ.
(2) 58) سورة الأنفال : 23.
(3) 59) سورة الأنعام : 28.
(4) 60) ج : اختصرنا.
(5) + من ج.
(6) يقول الإمام النسفي : « والله تعالى خالق لأفعال العباد كلّها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وهي كلّها بإرادته ومشيئته وحكمه وقضيته وتقديره ». وهذه المسألة التي يطرحها أبو خزر هنا تشتمل عناصر كثيرة منها : خلق الأفعال وحرية الإرادة والجبر والاختيار… وهي مسائل قديمة ظهرت منذ عهد الإغريق، وأثيرت حولها آراء عديدة، منها رأيان رئيسيان متقابلان :
1- رأي المعتزلة وهو كرأي الأبيقوريين، ومفاده أنّ الإنسان حرّ في أفعاله من خير وشرّ وهو الّذي يخلقها ولا تتعلق قدرة الله بأفعال العباد. ولكن يترتب على هذا أنّ أكثر ما في العالم خارج عن قدرة الله. ونتيجة لهذا الرأي ثارت مسألة وهي : هل أنّ الله قادر على خلق أفعال العباد ؟ فمنهم من قال : إنّه قادر ولكنّه لا يخلقها، ومنهم من قال إنّه غير قادر.
2- رأي الجبرية (أتباع الجهم بن صفوان) مفاده أنّ الإنسان مجبر في أعماله خيرا كانت أو شرّا، فهو كالريشة في مهبّ الريح لا فرق بينه وبين الجماد. فكما نقول نزلت المطر وطال الشعر وتدحرجت الحجارة، نقول صلّى الإنسان وصام وفسق. وهذا من ناحية العقيدة حسن لأنّه يفوّض لله كلّ شيء إلاّ أنّه عمليا يدعو إلى القعود عن السعي ويجرّد الإنسان من المسؤولية.
ولأهل السنة حجج عقلية ونقلية في مسألة خلق الأفعال كلّها.
أ- دليل عقلي : لو كان الإنسان خالقا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها، والعالم بالتفاصيل باطل بالمحسوس، فحركات الإنسان تكون منتظمة وغير منتظمة، والإنسان لا يعلم ذلك. ولذلك فهو غير خالق لأفعاله لأنّ القدرة على الخلق تستلزم العلم بالتفاصيل.
ب- دليل نقلي : يتمثل في عدة آيات منها : ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ وهذه الآية ذكرت أربع مرات بهذه الصيغة. وقوله تعالى : ﴿ ذلكم الله ربكم خالق كلّ شيء لا إله إلاّ هو فأنّى تؤفكون ﴾ قوله تعالى على لسان سيّدنا إبراهيم : ﴿ أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ﴾ . (الصافات:95) وقد اتفق كلّ العلماء على أنّ الله خلق كلّ الأعمال الاضطرارية كالارتعاش ودورة الدّم ونبضات القلب، ولكن الفرق اختلفت في الأعمال الاختيارية وشيء واحد لم يخلقه الله وهو ذاته لأنّ ذاته واجبة وقدرة الله لا تتعلق إلاّ بالممكن وأفعال العباد من الأشياء الممكنة.
أمّا المعتزلة : فقد احتجّت بأدلة كثيرة على أنّ العبد خالق لأفعاله بنفسه بأدلة منها :
1- الفرق الوحيد بين الحركة الاضطرارية (كنبض القلب) والحركة الاختيارية (كالمشي) هو أنّ الأولى مخلوقة لله والثانية مخلوقة للعبد.
2- لو كان العبد مجبورا على أفعاله لبطلت قاعدة التكليف وبطل الثواب والعقاب ولم يكن لإرسال الرسل فائدة.
3- دليل نقلي : وهو قول الله تعالى : ﴿ جزاء بما كانوا يعملون، يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مّما كتبت أيديهم وويل لهم مّما يكسبون ﴾ . (البقرة : 79) ومن الأدلة كذلك : قول الله تعالى : ﴿ تبارك الله أحسن الخالقين ﴾ (المؤمنون : 14) وقد يفهم من هذه الآية أنّ هناك غير الله ممّن يخلقون. ويفسر أهل السنة هذا بأنّ خلق العباد هو تصميم وتقدير فقط.