السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢أولا - نماذج من السبق في المنهج
أ- منهج التعامل مع القرآن:
1 - القرآن هو الأصل الأول:
• الفكرة: القرآن هو الأصل الأول الذي يجب التحاكم إليه، ابتداءً أو عند الاختلاف؛ لقوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً اَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمُ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَّتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدُ امِرُوا أَنْ يَّكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُّضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوِا اِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ (النساء: 59 ـ 61)، ولا يختلف مسلمان في هذا الشأن، فهذه آية محكمة.
• التطبيق: تطبيق الإِبَاضِيَّة لهذا المبدأ يَتَمَثَّلُ في جعل القرآن الكريم معيارا لِكُلِّ ما سواه، سواء ما نسب إلى الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - من روايات، وما أثر عن العلماء من أقوال، هَذَا عَلَى العموم، ولا نزكِّي عَلَى الله أحدا. وَلَعَلَّ هَذَا من أبرز ما انتُقد عَلَيْهِ الإِبَاضِيَّة، ووصمهم بإنكار السُّنَّة، وسحب ذَلِكَ عَلَى كُلِّ فئات الخوارج (حسب تَصَوُّر أهل السُّنَّة بصفة خَاصَّة). وسنضرب لهذا أمثلة عند تناولنا لمعيار عرض السُّنَّة عَلَى القرآن.
• وجه السبق: رغم أَنَّ قَضِيَّة تقديم القرآن واضحة قَطْعِيَّة، إِلاَّ أَنَّنَا نجد من غلاة المحدِّثين من زعم أَنَّ السُّنَّة قاضية عَلَى القرآن، وَأَنَّ الكتاب أحوج إلى السُّنَّة من السُّنَّة إلى الكتاب(1). وإن حاول بعض العلماء تأويل هَذَا الكلام بِأَنَّ السُّنَّة مبيِّنة لِلكِتَابِ فهي بالتالي أوضح منه(2)، إِلاَّ أَنَّهُ كلام موهم بِأَنَّ السُّنَّة أعلى من القرآن. فنتجت عن ذَلِكَ آراء مخالفة لصريح القرآن بناء عَلَى أَنَّهَا صادرة من مشكاة النبوَّة، وَأَنَّهَا وحي من الله كالقرآن، بينما هي آحادية، لا تقارن بتاتا بالمتواتر من القرآن الكريم، ومن مبادئ الشريعة الإِسلاَمِيَّة السمحة الغرَّاء.
وقد أصبح من المسلَّم به اليوم لدى جلِّ الباحثين المتحرِّرين من أسر التقليد والتعصُّب، أن كثيرا من آيات القرآن الكريم لم يكن دوما هو المرجع الأول، وإنما كان يؤخَّر لصالح روايات آحادية، تخدم بعض الأهواء، لاسيما السياسية منها، فنُحِّيت قيم العدل والشورى والوفاء والقسط … التي جاء بها القرآن صراحة لصالح الطغيان والتجبر والقهر والتسلط.
• العبرة: نظرا لِهَذِهِ الجذور الفِكرِيَّة نستطيع أن نُفَسِّرَ مواقف بعض العلماء مما اصطلح بـ «الربيع العربي»؛ فبدا منهم المرتمي في أحضان السلطة الجائرة، والمتحفِّظ من الثورات.
2 - التأويل:
لقد بدا التأويل بارزا في ما يَخُصُّ ما يُتوهم منه تشبيه الله تَعَالىَ بخلقه، وَلَكِنَّ للتأويل مجالات أخرى، كما سيَتَّضِحُ
(1) نَسَبَ المروزيُّ إِلىَ يحيى بن أبي كثير قوله: «السُّنَّة قاضية على الكتاب وليس الكتاب قاضيا على السُّنَّة»، وإلى مكحول قوله: «القرآن أحوج إلى السُّنَّة من السُّنَّة إلى القرآن». المروزي محَمَّد بن نصر: السُّنَّة، رقم: 103، 104، ص33.
(2) ينظر: السيوطي: مفتاح الجنَّة، ص43.