العقيدة.. القضية الكبرى في حياة البشر (نسخة غير مبوبة) عاشور بن يوسف كسكاس أبو رضوان

العقيدة القضية الكبرى في حياة البشر لعاشور كسكاس (ط2)

الجزء ١ · صفحة ١٥

… والدافع إلى مثل هذه المطالبات إنما هو العناد فحسب، وإلا فإن العقل السليم إذا ما وظِّف التوظيف الأمثل فإنه لا يلبث أن يدل صاحبه على ضالته، وصاحب العقل السليم يدرك الحدود التي يقف عندها العقل ولا يستطيع تجاوزها، كما يدرك أنه ليس من حاجة الإنسان معرفة ما لا يدركه العقل، لأن خالق الإنسان أعلم بحاجته، وبالتالي فإنه أعطاه القدرات التي هو بحاجة إليها في الإطار المحدود، فوجه بصره إلى عالم الشهادة يتدبر معالمه، وقد جاء في الحديث الشريف: (تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذاته فتهلكوا(1) ، وفي رواية: (فإنه لا تحيط به الفكرة(2) .

… والنفس تحس بوجود الله تبارك وتعالى إحساسًا يقينياً، وفكرة الألوهية أعظم من أن تدركها الحواس، وبالتالي فإن العقول لا تدرك كنهها، لأنها تستمد المعرفة من بوابات الحواس التي تطل على العالم الخارجي الذي أوجدته القوة الخارقة والقدرة الإلهية المطلقة، وهذه القدرة هي خارج نطاق العقل المحدود.

… وقد حاول فلاسفة اليونان معرفة الله تعالى، واستعملوا عقولهم في الكون، فأدركوا أن هناك قوة خارقة مهيمنه على هذا الكون، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل دفعهم فضولهم المفرط إلى ما وراء الطبيعة، وحاولوا أن يكشفوا أستار الغيب، لكنهم ضلوا عن سواء السبيل، لأن ذات الله تعالى لا تدركها العقول، وهي ذات لا تقوى الأبصار والأفكار والأذهان على إدراكها واستيعاب حقيقتها ﴿ لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ [الأنعام/103]، و الأسلوب السليم في

هذا المجال هو البدء من القاعدة ليتسنى الوصول إلى القمة.

(1) ـ أورده الهندي في الكنز، باب التفكر: ج3، ص106، رقم 5705. وقال: رواه أبو الشيخ عن أبي ذر.

(2) - رواه الربيع في مسنده (7)باب النهي عن الفكرة في الله عز وجل، رقم 827:ج3،ص311، مع اختلاف في اللفظ. من حديث أبي أمية.

١٥ / ٤٤