العقيدة القضية الكبرى في حياة البشر لعاشور كسكاس (ط2)
الجزء ١ · صفحة ٢٣… وكيف يعرف ربه مخلوق يجهل هويته، ويتخبط في متاهات الجهل والحيرة، لا يجد لنفسه قراراً أو طمأنينة. إن الجاهل بنفسه يعيش متقلب الفكر، تعصف به الأهواء يميناً وشمالاً، وتكبله آثام الأفكار الزائفة ودنس الشهوات الجامحة عن كل تحرر وإبداع وإيجابية، فهو تائه كالريشة في مهب الريح، لا يقر لها قرار، ولا يجد لنفسه استقرار، فمثله كمثل صاحب «إيليا أبو ماضي» لا يدري من أين جاء، بل يتساءل: … ... متى خُلق؟ وكيف خُلق؟ وكيف كان قبل الخلق؟ وهو لا يدري إلى أين المصير؟ وماذا سيصير؟ ولا يجد لنفسه جواباً، فيردد مقولته بلوعة وأسى:
لست أدري، ولماذا لست أدري؟ لست أدري..
أيُّ حيرة هذه، وأي قلق تجليه هذه المجاهيل للنفس الإنسانية؟
… بالإسلام وحده يصبح الإنسان يدري، ويجد لكل الأسئلة أجوبة مقنعة للعقل، شافية لما في الصدور. ومن هنا نقول: لا بدّ للإنسان أن يعرف نفسه أولاً.
أولا: الإنسان مخلوق ضعيف:
… قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَخُلِقَ الاِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء/28]. لو تدبر الإنسان في نفسه، وفكَّر في أصله، لوجد نفسه مخلوقاً ضعيفاً، أصله من تراب من صلصال من حمإ مسنون يحمل خصائصه ﴿ وَمِنَ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ﴾ [الروم/20].
… والقلب المفتوح يشعر بهذا الضعف، وبالصلة بين الإنسان والتراب الذي نشأ منه، ثم يدرك بعدها أن الله تعالى خلقه فسواه ورفعه على تلك الذرات الأولية التي خلق منها فجعله بشرا سوياً، ويعلم أيضا أنه من نطفة من ماء مهين، يودع في قرار الرحم المكين، فتتولاه القدرة الإلهية فإذا به بشر سويّ ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَاءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ اِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَّرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ ﴾ [المرسلات/20-23].