العقيدة القضية الكبرى في حياة البشر لعاشور كسكاس (ط2)
الجزء ١ · صفحة ٢٥… 1) - فهذا فرعون يؤتيه الله الملك فينسى المنعم عليه، ويسعى في الأرض فسادًا، ثم يتطلع إلى ما هو أَبعد من ذلك فيقول للناس: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الاَعْلَى ﴾ [النازعات/24]، وهو تعبير عن ضعف الإنسان، أوتي ملكاً فنسي أنه جاء إلى الدنيا لا يملك شيئا، فتوهم أنه إلهٌ.
… 2) - وهذا قارون يؤتيه الله تعالى من كنوز الأرض ما تعجز العُصبة من الرجال حمل مفاتيح خزائنه، فينسى المنعم ويخرج في زينة على قومه، ويعلنها قائلا: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ [القصص/78]، وهو تعبير عن نقطة ضعفه، حيث أنه لم يستطع أن يصمد أمام المال ومتاع الحياة الدنيا.
… ومن هنا نرى أنه بقدر ما ميز الله الإنسان وكرَّمَه على كثير من خلقه، إلا أن إرادة الله شاءت أن تجعله من أضعف مخلوفاته، فهو يولد عاجزًا حتى عن الرضاع ما لم تساعده أمه على ذلك، ويبقى ينمو ببطء، وتنمو قدراته الجسدية والعقلية، ويظل ضعيفا أمام كثير من الغرائز التي جُبِل عليها. ثم يعود في التدرج في الضعف. وفي هذا ما يجعل الإنسان يعتبر.
… وإذا كان الإنسان عرضة للضعف أمام الشهوات فإنه مزوَّد أيضا بالقدرة على الإفاقة من الضعف، وذلك باللجوء إلى خالقه، وطلب الغوث منه.
إن الشعور بالخضوع إلى قوة الله وعظمته حقيقة نابعة من داخل النفس، وهي رغبة فطرية فيها، والشعور بالضعف والاعتراف به طريق إلى العودة إلى الفطرة السليمة التي لا ترى لها طمأنينة إلا في رحاب الله، بحيث أن الإنسان يشعر بداخله أنه لولا فضل الله عليه أن كرَّمَه ورفع من شأنه لما استحق أن يكون خليفة له في أرضه، فقد جاء إلى الدنيا جاهلاً لا يعلم شيئًا فعلَّمه الله وجعل له السمع، والبصر، وآتاه القدرة على اكتساب العلم والمعرفة: ﴿ وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل/78].