العقيدة القضية الكبرى في حياة البشر لعاشور كسكاس (ط2)
الجزء ١ · صفحة ٢٦… وجاء عارياً لا يملك شيئا، فأطعمه وكساه وسقاه وسخر له من يحوطه بالرعاية والحفظ ﴿ الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالذِي هُوَ يَطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهَوَ يَشْفِينِ وَالذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ [الشعراء/87-81].
… إن الإدراك الصحيح بحالة النفس ينشئ في الإنسان الاعتراف بخالقه الذي أنشأه وسواه، ويغرس فيه حب المنعم والتمسك به والتزام أوامره، فيسلم لله وحده بالخلق والأمر والفضل والإنعام، ويخضع له في خشوع وانكسار قائلا: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإٍِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة/5]، ويكون من الذين أخبتوا لربهم فرضي عنهم ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء/90].
… فالاعتراف بالضعف إعلان لعظمة الله وحده، والإدراك لقيمة النعم شكر للمنعم وحده، والشكر لله تسليم بوحدانيته وألوهيته وربوبيته، وهذا هو المسلك الأقوَم للمسلم المخلص.
ثانيا: الإنسان خليفة الله في أرضه:
… خلق الله تعالى الإنسان وبوأه مقام الخلافة وإعمار الأرض، وميزه بالعقل وشرفه، فحكم الحيوان وقهره، وساس الأشياء ودبّر، واختصه تعالى بالعلم يكتسبه، وزوده بأدوات الخلافة.
… خلقه تعالى وجعل فيه نازع الخير ونازع الشر، وجعله قادرا على الإرتقاء إلى أقصى المدى، وكذلك جعل فيه عامل الهبوط إلى الحضيض ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدَ اَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس/7-10].
… وفي نفس الوقت جعل فيه القدرة على صراع الشر ومقاومته، وهي قيمة أساسية من قيم حياته، وضرورات من ضرورات أداء دور الخلافة في الأرض(1) .
(1) - محمد قطب، دراسات في النفس الإنسانية: ص31 ، ط: دار التراث العربي ليبيا، 1392هـ/1972م. (بتصرف).