الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧٢الوسيط الرابع:
بعثت قريش الحليس بن علقمة سيد الأحابيش، فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه» (2). فلما رأى الهدي مقبلا عليه من عرض الوادي عاد من حيث جاء قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما شاهد
وبهذه الخبرة الفائقة بأحوال الرجال وصفاتهم استطاع الرسول القائد عليه الصلاة والسلام أن يقنع الوسطاء بهدفه السلمي ويدين قريش أمام أهم أحلافها، فكانت النتيجة إضعاف صفوف المشركين وفك التحالفات التي كانت تقويهم وإدخال الرعب في قلوبهم، فهذا بديل وجماعته يزدادون يقينا من تعنت قريش وطيشها وتزييفها الأمور للناس. . فقد أظهرت لهم أن المسلمين معتدين وأخفت عليهم قصدهم السلمي ففضحها الوسطاء بما علموه من النبي صلى الله عليه وسلم من نية العمرة فينسحب بديل وقومه وفي نفوسهم من الحقد على المعتدين ما يرجح كفة الانضمام إلى صفوف المسلمين رغم أنهم كانوا قبل ذلك محايدين من جهة قريش وهذا أول سهم تطعن به قريش في
صميمها.
وهذا عروة بن مسعود يعود إلى أحلافه قريش ويصدع بالحق ويعلن لهم أن محمدا في منعة من قومه وأنهم يلتفون حوله كالأسود لا يسلمونه لأحد أبدا. وأنه عليه السلام يدعوهم إلى التريث في الأمور وإعمال العقل فيها. . فخير لقريش أن تترك المسلمين يؤدون مناسك العمرة وإلا فسيلاقون رجالا أشداء يحبون الموت في سبيل دينهم ويتسابقون إلى إرضاء قائدهم وحمايته. قال: ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم
(2) حديث صحيح رواه ابن اسحاق في حديث الحديبية.
172