في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

بل بقي مع المشركين، ووافق على المقاطعة، وكان من قبلُ يؤذي ابن أخيه مع امرأته حمّالة الحطب، لكنْ لمّا مات أبو طالب، فكأنّها تحرّكت الحميّة وقرابة الدمّ في قلبه رغم كفره، فنادى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقال له: «امض لأمرك، واصنع كلّ ما كنت تصنعه إذْ كان أبو طالب حيًّا، ولن ينالك شيء ما دمت حيًّا».

ومضت على ذلك أيَّام.

وفعلاً [حماه]، فقد جاء أحد فسبَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ونال منه، فردَّ عليه أبو لهب، وعاقبه عقابا لا ندري كيف كان نوعه، وإنّما الروايات تقول: نال منه.

فذهب هذا الذي سبّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ونادى في مجمع قريش: «ألا إنّ [عبدَ] العزّى أبا لهب قد صبأ».

فجاء المشركون أبا لهبٍ وقالوا له: «أصبوت؟! أآمنت؟! هل دخلت في الدين الجديد؟!».

قال: «لا، ولكنّي أمنع ابن أخي، ولا أقبل أن يصيبه أحد بأذى».

قالوا له: «أحسنت وأجْملت ووصلت الرحم».

يعني فعلت جيّدا، وصلت رحمك، ودافعت عن ابن أخيك، وهذا مقبول منك، المهمّ أن لا تكون قد أسلمت.

وفي يوم من الأيّام جاء أبا لهب شيطانان من شياطين قريش، أبو جهل رأس الكفر، وعقبة بن أبي معيط، أشقى القوم كما سمّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو الذي أمر بقتله صَبْرا(1) ، وعفا عن كلّ الناس وقتَ الفتح(2) ، ولمّا أخذوه ليقتلوه، قال

(1) … «يقال: قُتل صبرا للذي لم يُقتل في المعركة، وإنما يؤخذ ويحبس، ثمّ يؤتى به بعد ذلك ليُقتل، وهذا التعبير معروف منذ القديم، وكثيرا ما يحتار الطلبة عندما يجدون هذه اللفظة: ”فلان قُتل صبرا“، فإذا وجدتم هذا في كتاب؛ فاعلموا أنّ معناه كما ذكرنا». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب ج 4، ص 437 والفراهيدي، العين: ج2، ص376، مادة: صَبَرَ).

(2) … شكّ الشيخ رحمه الله في هذه المعلومة؛ لأنّه قال بعدها: «أظنّ قبل الفتح». وهذا صحيح؛ فعقبة بن أبي معيط -لعنه الله- قُتل صبرا في موضع يسمى بعِرق الظَّبْية -بين مكة والمدينة- بأمر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا لما كانوا قافلين من غزوة بدر إلى المدينة، وقد أسر هذا اللعين في هذه الغزوة. قتَله: عاصم بن ثابت وقيل: علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. (سيرة ابن هشام: ج3، ص193-194).

١٠٨ / ٤٥٥