في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٧٢المؤمنين، فكانوا يعذّبوهم ويهينونهم ويحبسونهم حتّى يشرفوا على الهلاك؛ لكي يتركوا دينهم، وكان كلّ مشرك يتولّى عذاب من آمن من قرابته أو محيطه سواء كان عبدا أو أمة، هذه هي الفتنة، كانوا يفتنون الناس عن دينهم، فأذن الله تبارك وتعالى للمؤمنين بالهجرة إلى الحبشة، وهيّأ لهم مَلكا لا يُضام عنده أحد أوى إليه، فكانت الهجرة التي سمعتم خبرها ما بين السنة الخامسة والسادسة والسابعة للبعثة.
وبعد مدّة، رجعت طائفة منهم لحادث مضى ذكره، وطائفة بقيت، والبعض الآخر كتب الله تباك وتعالى لهم الموت هناك.
بعد ذلك جاءت مصيبة المقاطعة التي عقدتها قريش ضدّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقومه بني هاشم، فكتبوا العقد وعلّقوه في الكعبة، وأخرجوهم من مكّة وحاصروهم في شعب من شعابها تُسمّى إلى الآن بشعب بني هاشم أو بشعب أبي طالب، فمكثوا فيه ثلاث سنوات حتى أضرّ بهم الجوع، وبلغت بهم الشدّة أن أكلوا ورق الشجر.
ولقد مرّ بنا كلام سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- في وصف حالة الشدّة التي بلغوها؛ حيث يروي أنّه خرج في ليلة من اللّيالي وابتعد قليلا لكي يقضيَ حاجته، فبينما هو يبول سمع لِوَقع البول قعقعة، فهو لا يقع على التراب وإنّما يردّه شيء صلب، وبعد أن قضى حاجته، بحث فوجده قطعة من جلد بعير، فأخذها وغسّلها جيّدا ثمّ تركها تجفّ، وبعد ذلك حرّقها وقطّعها إلى ثلاث قطع، وفي كلّ يوم ينسف(1) واحدة حتى ترجع كالرماد، فيسِفّها(2) ويشرب الماء عليها، قال: «ثلاثة أيام وأنا أعيش بهذا».
هذا بعض ما وصلوا إليه من الشدّة، أمّا ورق الأشجار وغير ذلك، فحدّث ولا حرج.
(1) … ينسِف: نَسَفَ الشيءَ؛ غربله ونقّى الجيّد من الرديء. (ابن منظور، لسان العرب: ج9، ص327، مادة: نسف).
(2) … سَفَّ: سَفِفْتُ الشيءَ؛ أكلته جافًّا يابسا. (ابن منظور، لسان العرب: ج9، ص327، مادة: نسف).