في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٧٣وبعد خروجهم من الشعب بعد معجزة نقض الصحيفة وأكل الأرضة لها؛ احتارت قريش في أمرها ولم تدر ماذا تصنع، فقرّروا زيادة المكر بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، خاصّة وأنّه قد صادف في هذه المدّة موت عمّه أبي طالب وزوجه خديجة، وكان بينهما أيّام، والاثنان كانا يحميان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويردّان عنه، خديجة بمالها وشرفها في قومها، وأبو طالب بمركزه في قومه.
أمّا المسلمون الآخرون فقد ازداد بهم الكفرة مكرا أيضا، وهذا ما يعبَّر عنه بالفتنة الثانية.
وفي وسط هذه الفتنة الأخيرة، فتح الله تبارك وتعالى بابا للنجاة من هذا الضيم من جهة، ولتكوين دولة الإسلام بالمدينة من جهة أخرى، فقيّض الله لهم الأنصار في ثلاث سنوات متوالية.
ففي العام الأوّل التقى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ستةًّ منهم ودعاهم إلى الإسلام، وكانوا قد جاءوا لكي يبحثوا ويتخاطبوا مع قريش للتحالف معهم ضدّ بعضهم بعضا؛ لأنّ الفتنة كانت مشتعلة بين الأوس والخزرج، واليهود في المدينة يزيدونها اشتعالا، فجاءوا إذن ليتحالفوا مع قريش وينظروا قبيلة من قبائلها لكي تنضمّ إليهم وتنصرهم على العدوّ، وعندما التقاهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أخبروه عن السبب الذي جاء بهم فقال لهم: «لعلّ شيئا آخرَ أحسن؟ تؤمنون بي وتنصرونني»، وذكر لهم أمر الإسلام. فقال بعضهم لبعض: «هذا والله خير ممّا جئنا إليه، هذه الفكرة خير من الفكرة التي أتينا من أجلها، نؤمن بهذا النبيّ ويكون لنا النصر على يديه». حينئذ قالوا له: «إنّ بيننا فتنة، فإن انطفأت بسببك؛ فلا يكون ثمّة أحد أحبّ عندنا منك»، ثمّ ذهبوا(1) . وبدأ الإسلام يدخل المدينة.
(1) … وقد أسلموا جميعا. (انظر: السُهَيْلِيّ، الروض الأنف: ج2، ص 245، وسيرة ابن هشام: ج2، ص277).