في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٨٥في يوم من الأيّام قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بالمدينة: «من لي بعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص؟»؛ أي هل فيكم رجل قويّ يذهب إلى مكّة ويخلّص هذين الاثنين؟.
فقال له الوليد بن الوليد أخو خالد بن الوليد: «أنا لك يا رسول الله، أنا أذهب لآتيك بهما».
وارتحل على بعيره وذهب إلى مكّة، وبينما هو يطوف في أوّل الليل ببعض النواحي، إذا به يلمح امرأة تحمل طعاما، فلما مرّت عليه سألها: «إلى أين يا أمة الله؟».
قالت له: «إنّي ذاهبة إلى سجينين لآخذ لهما عشاءهما».
فظنّ أنّهما صاحباه، فذهب متستّرا خلف المرأة متقصّيا لآثارها، ورأى المكان.
وكان البناء مسوَّرا ولكنّه غير مسقف، ولمّا انصرفت المرأة، تسوّر عليهما وكسر قيودهما، ثمّ انطلقوا جميعا نحو المدينة، وفي الطريق عثرت به راحلة الوليد ودميت أصبعه، وقيل هو الذي قال(1) :
هل أنت إلا أُصبع دميتِ … و في سبيل الله ما لقيتِ
فنفَّذ بذلك الوليدُ الوعدَ الذي أعطاه للرسول - صلى الله عليه وسلم - على أنّه يذهب وينقذهما، فخلّصهما بعد أن قضوا في العذاب مدّة.
كان هذا بعضٌ من النوادر التي وقعت في الهجرة، ولكي تكتمل الهجرة أخيرا، أذن الله تبارك وتعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن يهاجر، وكان لا يتحرّك ولا يسكن إلا بإذن الله، فكلّ شيء بأمره، ففي أيّ يوم سيذهب؟ ومن سيصاحب؟ وأيّ طريق سيسلك؟ هذا ما سيأتي في الدرس الآتي إن شاء الله فلا نقتضبه، والحمد لله ربّ العالمين.
(1) … نعم هو القائل. (سيرة ابن هشام: ج2، ص324).