في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

شيء من أخويك في الطريق، فما عليك إلا أن تأمرها بالإسراع، فلا يستطيعان لحاقك بالجمال التي عندهم». وكان الانتقال كلّه على الجمال.

فأخذ ناقة عمر وذهب مع أخويه.

وفي بعض الطريق ولمّا ابتعدوا قليلا عن المدينة، قال أبو جهل لأخيه عياش -ومثلما قلنا منذ قليل هو أكبر منه سنًّا-: «يا أخي، قد آذاني الجمل الذي أنا عليه وأتعبني بمشيته الصعبة، فلو تناوبت معي قليلا فأرتاح على ناقتك الجيّد مشيها».

فوافق عيّاش وهبط، فبرّك أبو جهل جمله، وبرّك عياش ناقته، ولم يكد يمتطي على الجمل الآخر حتّى وثبا عليه وقيّداه جيّدا وأركباه فوق الجمل وذهبا به إلى مكّة، حتّى دخلاها -عمدا- في وسط النهار، ومرّا على مجامع قريش ونواديهم، ونادى أبو جهل: «هكذا فافعلوا بسفهائكم يا معشر قريش كما فعلنا بسفيهنا هذا، لقد ذهبنا إلى المدينة وأتينا به مقيّدا وها هو أمامكم».

شيطان مريد! لم يترك مكرا لم يفعله، لعنه الله وأخزاه!.

ثمّ ذهبا به إلى سجن وحبساه مع هشام بن العاص، هذا الذي كان متّعدا لكي يهاجر مع عمر وعيّاش ولكن قُبض عليه.

بقي عيّاش وهشام في السجن حتّى أذن الله تبارك وتعالى للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة، فهاجر ووصل إلى المدينة ومكث فيها ما مكث، وكان يقنت دائما في صلاة الصبح في الركعة الثانية إذا قام من الركوع، ويدعو الله تبارك وتعالى أن ينجيَ المستضعفين، ومنهم هذا عيّاش بن أبي ربيعة، كان يطلب: «اللهمّ انج فلانا، اللهمّ أَنْجِ فلانا»، ثلاثة أو أربعة يسمّيهم بأسمائهم، ثمّ يقول: «اللّهم انج المستضعفين الذين هم مغلوبون على أمرهم»، مثلما قال الله فيهم: ﴿اِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾(1) ؛ أي لا يقدرون على السفر وقطع الفيافي والقفار نحو المدينة، فهم مُهْمَلون هناك، وعيّاش منهم.

(1) … سورة النساء: الآية 98.

١٨٤ / ٤٥٥