في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٩١

يسّر الله تبارك وتعالى وسهّل لأهل المدينة فجاءوا وأسلموا كما تقدّم في الدروس الماضية -وهذا وقع بعد خروجه من الشعب- وبعد ذلك أمر كلّ من استطاع من أصحابه الهجرةَ أن يُهاجر، لم يصبروا على هذه الفتنة وقد مات أبو طالب وماتت خديجة واشتدّ البلاء بالمسلمين خاصّة في الفتنة الأخيرة، فأذن لهم كلّهم بالخروج، فبدءوا يخرجون أرسالا جماعات وفرادى، حتّى فرغت مكّة من السابقين الأوّلين، حتّى الأشدّاء منهم كعمر بن الخطّاب والأصحاب العشرة: الإمام عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجرّاح… رضي الله عنهم-، ولم يبق منهم إلا اثنان: أبو بكر وعليّ؛ لحكمة سنعلمها.

ولم يخْفَ على المشركين أنّه إذا هاجر مثل عمر بن الخطّاب ومثل الإمام عثمان بن عفّان رضي الله عنهما وهما من هما في درجتهما ومقامهما ومركزهما ومقامهما بين قريش، فمن سيبقى في مكّة إذا داهمها عدوّ؟!؛ فالأمر يحتاج إلى تدبير.

[الحكمة من وجوب الهجرة إلى المدينة] :

الحكمة من وجوب الهجرة إلى المدينة

هاجر الجميع ولم يبق بمكّة سوى ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾(1) ، الذين لا يستطيعون الخروج، فقد يكون أحدهم مقيًّدا محبوسا أو عاجزا مريضا، فهؤلاء معذورون، أمّا الآخرون فلا؛ لأنّ الله تبارك وتعالى أوجب الهجرة وجوبا، حتى إنّه أمر بمقاطعة الذين آمنوا ولم يهاجروا: ﴿وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَّلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىا يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ…﴾(2) ، فلا يتمُّ إيمانٌ في ذلك الوقت إلا بالهجرة، فإن أسلمتَ؛ فهاجرْ إلى المدينة إذن لكي تكون مؤمنا حقّا.

ولسائل أن يتساءل عن الحكمة من هذه الهجرة ولماذا كانت واجبة؟.

(1) … سورة النساء: الآية 98.

(2) … سورة الأنفال: الآية 72.

١٩١ / ٤٥٥