في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

الحكمة من هذا هو اجتماع المسلمين من أهل المدينة الذين سبق الإسلام فيهم والمسلمين الذين بمكّة، وكان لزاما عليهم أن يجتمعوا حتى تتكوّن منهم الجماعة الأولى كما ذكرنا في الدرس الماضي، ومن غير الممكن أن تتكوّن هذه النواة الأولى من المسلمين في مكّة، فإذا اجتمع عدد كبير من المسلمين في المدينة، حينئذ سيتجهّزون بكلّ ما استطاعوا من قوّة ويعدّوا عدّتهم لمحاربة المشركين، وكذلك كان، فإن لم تهاجر إلى المدينة فلست مسلما، ولم يستثن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من الأقوياء إلا أبا بكر وعلي رضي الله عنهما.

[الحكمة من تأخير هجرة أبي بكر وعليّ] :

الحكمة من تأخير هجرة أبي بكر وعليّ

أمّا أبو بكر فقد كانت له هجرتان، في البداية لمّا كانت هجرة الحبشة، خرج من مكّة بعد إذن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - له، ومشى فلقيه ابن الدَّغِنَة سيّد الأحابيش فاستنكر عليه خروجه من مكّة وقال له: «مثلك لا يخرج، إنّك لتزين العشيرة، وتحمل الكَلَّ، وتعين على النوائب، وتطعم المساكين، ارجع وادخل مكّة في جواري»، فوافق أبو بكر حتّى كان من أمره ما كان ممّا تقدّم(1) .

هذه هجرته الأولى، لم يمنعه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بل تركه يهاجر، ولكنّه رجع.

وبعد أن هاجر الأصحاب بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، جاء أبو بكر كذلك حتّى هو يستأذن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فلم يأذن له بل كان يقول له: «مهلا لا تعجل، لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا»، فطمع أبو بكر وظنّ أنْ سيكون هو، فمن الذي بقي بمكّة غير رسول الله؟، قال في نفسه: «إنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن لي بالخروج وخصني بهذه المكرمة؛ لكي أكون أنا رفيقه».

وكذلك كان.

(1) … انظر الدرس السادس من هذه السلسلة.

١٩٢ / ٤٥٥