في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

تقدّموا إلى خيمتها وكانت امرأة بدويّة شجاعة كريمة، وكانت نازلة هي وزوجها في جهة من نواحي قُدَيْد(1) ، ويروي أبو بكر ما حدث معها فقال: «توجّهنا إلى الخيمة فقابلتنا أمّ معبد، فسألناها عن زوجها، فأجابت بأنّه مع غنيماته يتتبّع الماء والكلأ ويباعد، فالعام عام جدب والصحراء صلبة يابسة»، فجلس النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يستظلاَّن، ورأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - شاة باركة في ركن الخيمة فقال لأمّ معبد: «ما شأن هذه الشاة؟ لماذا بقيت هنا؟».

قالت أم معبد: «أقعدها الجَهد عن الرعيّة، لم تعد قادرة على أن تتبع الغنم، هزيلة لا تستطيع أن ترافق الشياه، لو خرجت ربّما تموت في الطريق».

فقال لها: «هل بها من لبن؟».

قالت: «هي أجهد من ذلك، إذا هي قعدت ولم تقدر على الحراك فكيف يكون بها لبن؟!».

فقال لها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «أتأذنين لي أن أحلبها؟».

قالت له: «بأبي أنت وأمّي إن وجدت بها حَلَبًا فاحلب!»؛ يعني أفديك بأبي وأمّي إن وجدت فيها شيئا.

فذهب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الشاة وقال: «بسم الله» ومسح على ضرعها ودعا، الرواية لم تذكر الدعاء ولا الآيات التي تلاها إنّما قال: «بسم الله» ومسح على الضرع وإذا بالشاة تفحَّجت(2) ، بمجرّد أن مسح النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ضرع الشاة بيديه الشريفتين بعد ذكر الله تعالى والتوسّل إليه؛ امتلأ الضرع بالحليب حتّى أصبحت

(1) … قُدَيْد: في الطريق بن مكّة والمدينة، بينها وبين الجحفة -ميقات أهل الشام- سبعة وعشرون ميلا، وهو حصن صغير. (الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار: ص454-455).

(2) … «تقول تفحَّجت الشاة؛ إذا فتحت رجليها. ونقول فحَّج فلان؛ عندما يباعد بين رجليه». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج2، ص340، مادة: فحج).

٢٢٨ / ٤٥٥