في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩الشاة تفتح رجليها تماما مثلما نرى بعض الشياه والماعز عندما ترجع من المرعى مليئة تمشي ببطء بذلك الضرع الثقيل، وكذلك وقع لشاة أمّ معبد، فدعا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بإناء فأتت له بقدح يروي الرهط كما تقول أمّ معبد، فحلب وملأه وأعطاه للمرأة، وقال: «اشربي»، فشربت حتّى ارتوت، ثمّ أعطى لرفقائه أبي بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط فنهلوا وعلُّوا(1) كلّهم حتّى ارتووا، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان آخرَهم شربا، ويومئذ قال كلمته المشهورة: «ساقي القوم آخرهم شربا»؛ لأنّهم قالوا له: «ابدأ أنت يا رسول الله»، فقال: «لا، أنا أسقيكم»، والذي يسقي الناس لا يبدأ بنفسه -مثلما يقولون اليوم(2) - بل ساقي القوم آخرُهم شربا، وكذلك فعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأصبحت هذه سنّة قوليّة وعمليّة.
شرب - صلى الله عليه وسلم - وارتوى ثمّ ملأ ذلك القدح وتركه لأمّ معبد وأتّموا سيرهم. ولمّا عاد الزوج، وجد الشاة على غير ما كانت عليه، ووجد قدحا مُلىءَ حليبا، فسأل زوجه عن سرّ الشاة وعن مصدر الحليب، فقالت له: «مرّت بي جماعة صفتهم كذا وكذا… »، وحكت له القصّة، فتعجّب وانبهر، وشرب من الإناء حتّى ارتوى هو كذلك، وبقيت تلك الشاة حلوبا تحلب كلّ يوم، فأصبحت شاة أمّ معبد من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - وكراماته، وكلّ من كتب في السيرة أو نظم فيها يذكرها:
… ورقى شويهة أمّ معبد بعدما … [نشفت] فكان له بها إدرارُ(3)
(1) … النَّهْلُ: أوّلُ الشرب. والعَلَلُ والعَلُّ: الشَّرْبَة الثانية. (ابن منظور، لسان العرب: ج11، ص680 و467 على الترتيب، مادّتا: نَهَلَ وعَلَلَ).
(2) … لعلّ الشيخ يقصد العبارة العامية التي تدور على ألسنة الناس: «المومن يبدا بروحو» والتي وُظِّفت في غير معناها الحقيقيّ.
(3) … «أظنّ أنّ هذا البيت من مديحيّة الشيخ عبد الله بن يحيى البارونيّ [وُلد تقريبا سنة: 1236هـ/1820م- توفي سنة: 1332هـ/1914م] والد الشيخ سليمان [باشا، ولد سنة: 1287هـ/1870م - توفي في: 23 ربيع الأول 1359هـ/1940م] التي كنّا نقرأها دائما وهي في ديوانه، والتي مطلعها:
… ... شَدّوا المطيَّ إلى العقيق وساروا … ... و غدوا [بِرَوْحِ] مُتَيَّمٍٍ وتواروا
… وهذه القصائد في مدح النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، تُركت اليوم ونُسيت فلم تعد تُذكر». (من كلام الشيخ).
… شكّ الشيخ في نسبه هذه القصيدة المديحيّة إلى الشيخ عبد الله بن يحيى البارونيّ النفوسيّ بقوله: «أظنّ»، ولمّا نظرت في ديوان هذا الأخير، وجدتها في مستهلّه؛ فالنسبة إذن صحيحة. (انظر: ديوان عبد الله بن يحيى البارونيّ النفوسيّ، طبعة حجرية، طبعه: محمّد بن يوسف الباروني وسليمان بن عبد الله بن يحيى البارونيّ).
… عبد الله وابنه سليمان من أعلام الإباضية. انظر ترجمتهما في: معجم أعلام الإباضية: مج3، ص584-585 وص426-427 على التوالي).