في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩وخلاصة القول من هذا الدرس: أنّ الأصل في تكوين أيّ جماعة إنّما ينبني على الإخلاص والتماسك والتآخي، فمهما صغرت جماعة ولكن قلوبها متوحّدة، ووجهتها واحدة، وعقيدتها متينة، صادقة القول، صالحة العمل، وفيّة العهد؛ فإنّها تنال كلّ ما تريد، أمّا كثرة العدد مع اختلاف الأنظار والأفكار، وعدم الصدق في القول والإخلاص في العمل؛ فألفٌ كأفّ، وهذا أخذناه من أوّل شيء صنعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ومن الآية التي امتنّت على المسلمين بإزالة ما كان بينهم من العداوة: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾(1) ، لم تزُل العداوة وبقي الفتور، إنّما انقلبت العداوةُ أخوّةً، وفي هذا منّة عظيمة، فلا يقتضي نفيُ العداوةِ الأخوّةَ، ومن لم يتفقّه لا يتنبّه لهذا، فقد تزول العداوة بينك وبين شخص آخر وهذا أمر طبيعيّ، فتقول: إنّ هذا ليس عدوّي وأنا لست عدوّه، ولكن أن تقول: هذا الذي كان عدوّي قد أصبح أخي؛ فهذه درجة أخرى، ولذلك قال الله تعالى: ﴿كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، ولم يقف عند الحدّ بل قال: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.
﴿وَكُنتُمْ عَلَىا شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾: فالكفر والعداوة المتأصّلة بينهم لو استمرّت كذلك؛ لَتَرَدَّوْا بسببها في النار. ﴿فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾: ومن أجلّ النعم التي ينعم الله تعالى بها على عباده وحدةُ الكلمة ولمُّ الشمل.
جمع الله شملنا ووحّد كلمتنا والحمد لله ربّ العالمين.
(1) … آل عمران: الآية 103.