في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٢٨٨وفي السنة نفسها مات كلثوم بن الهدم(1) ، أحد كبار الأنصار وساداتهم، وكان كثير من المهاجرين نازلين عنده.
وفيها كذلك وُلد عبد الله بن الزبير، وكانت أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- هاجرت إلى المدينة مع الزبير وهي حامل بعبد الله، فكان أوّلَ مولود يولد للمهاجرين بالمدينة، وحملته أسماء إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يرضع فبصق في فيه، فكان أوّلَ شيء يدخل في فمه ريقُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثمّ دعا بتمرة فلاكها؛ أي مضغها، ثمّ جعلها في فم عبد الله وحنّكه بها، وفرح به المسلمون فرحا شديدا؛ لأنّ اليهود أشاعوا فيما بينهم أنّا سحرنا المسلمين وسينقطع نسلهم فلا يولد لهم مولود، واليهود من أسحر الناس في الدنيا من عهد هاروت وماروت، فراجت هذه الإشاعة بين المسلمين فخافوا، فهم يعرفون مكر اليهود ويعرفون سحرهم، وكان العرب يستعينون بهم في السحر قبل الإسلام، فلما وُلد عبد الله، عرفوا بأنّ هذا كذب فحمدوا الله تعالى. وأمّا أوّل مولود يولد للأنصار بعد حلول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فهو: النعمان بن بشير(2) .
هذا بعض ما وقع في السنة الأولى، وبعد ذلك تتوالى الوقائع الكبرى في السنة الثانية بدر ثمّ أُحُد ثمّ الخندق، ثمّ يجيء بعد ذلك فتح خيبر ثمّ فتح مكّة، ويتخلّل كلّ هذه الوقائع الكبرى وغيرها سرايا وأحداث صغرى، وفي كلّ منها معجزة وعبرة.
(1) … كلثوم بن الهدم الأنصاري بن عمرو بن عوف، كان شيخا كبيرا، أسلم قبل نزول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وهو الذي نزل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قدومه في هجرته من مكة إلى المدينة -وقيل على سعد بن خيثمة- فأقام عنده أربعة أيّام ثمّ خرج إلى أبي أيّوب الأنصاري. توفّي قبل بدر بيسير، وقيل إنّه أوّل من مات من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه المدينة، ولم يدرك شيئا من مشاهده. (ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج3، ص 1327-1328).
(2) … النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري، من بني كعب بن الحارث ابن الخزرج، وأمّه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة. ولد قبل وفاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بثمان سنين، وهو أوّل مولود ولد للأنصار بعد الهجرة. كان أميرا على الكوفة لمعاوية ثمّ حمص لمعاوية ويزيد، ثم أصبح زبيريا. وكان كريما جوادا شاعرا. قتل سنة أربع وستين لما كان هاربا من حمص. (ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج3، ص1496-1500).