في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٩٤

صحيح: «يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله»(1) . والقرّاء في العهد الأوّل قليلون نادرون، فأصبح يُختار للإمامة من جمع من القرآن أكثر ممّا جمع غيره، ومصعبُ يحفظ جميع ما نزل إلى تلك اللحظة، وذكر له أصحاب السيرة كرامة وهي: أنّه صلّى أوّل جمعة أقيمت بالمدينة، وهذا قبل أن يهاجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .

فكان يصلّي بالناس إماما وكان يقرئهم القرآن؛ ولذلك كان مصعب أوّل من سمي بالمقرئ، والمقرئُ هو الذي يحفِّظ النّاس القرآن، وإلى الآن مجوِّدُو القرآن الكريم يسمّونهم «المقرئين»، كعبد الباسط عبد الصمد مثلا، ومصعب هذا أوّلهم وسيّدهم، بعثه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لنشر الإسلام في المدينة؛ لأنّه مثقّف دينيّا أكثر من الأنصار الذين جاءوا، فهذا عامهم الأوّل في الإسلام، أمّا هو فقد آمن بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وصاحبَه منذ أن نزل عليه الوحي قبل عشر سنوات تقريبا، وما نزل من القرآن إلى تلك اللحظة يحفظه.

[دخول النور إلى المدينة على يد مصعب] :

دخول النور إلى المدينة على يد مصعب

وتقدّم لنا فيما تقدّم من الكلام عن الأنصار ودخولهم في الإسلام، قصّةُ سعد بن معاذ -رضي الله عنه- سيّد الأوس، وكما نعرف أنّ أهل المدينة منقسمون إلى قسمين: الأوس والخزرج، وكلّ قسم فيه عدد من القبائل، وسعد بن معاذ هو سيّد الأوس، وعشيرته الأقربون هم بنو عبد الأشهل، وإسلامه كان على يد مصعب بن عمير -رضي الله عنه- في قصّة تقدّمت لنا نعيدها باختصار(2) .

(1) … أخرجه مسلم عن أبي مسعود البدريّ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يؤمّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء، فليؤمّهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فليؤمّهم أكبرهم سنّا، ولا تَؤُمَّنَ الرجلَ في أهله، ولا في سلطانه، ولا تَجْلِسْ على تَكْرِمَتِهِ في بيته إلا أن يأذن لك، أو بإذنه». (صحيح مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحقّ بالإمامة، رقم: 1114). والتَّكْرِمَةُ: هي الموضع الخاصّ لجلوس الرجل ممّا يُعَدّ لإكرامه.

(2) … انظر الدرس الرابع من هذه السلسلة.

٢٩٤ / ٤٥٥