في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٢٩٥

كان مصعب بالمدينة في بيت أحد النقباء العشرة -أسعد بن زرارة- يدعو إلى الإسلام ويعلّم القرآن، فانتشر خبره في المدينة وبلغ ذلك سعد بن معاذ، فقال لأسيد بن حضير-الرجل الثاني في الأوس بعده-: «اذهب وانظر هذا الذي يفسد عقول الشباب وينشر دعاية جديدة».

ولم يرد أن يذهب إليه بنفسه لعلاقة الرحم التي بينهما، إذ كان أسعدُ خالَ سعد(1) .

ذهب أسيدٌ ليرى ما يجري، فلمّا وصل قال لمصعب: «ما هذا؟!، ما هذه الفكرة التي جئت توسوس بها أبناءنا وتفسد عقولهم بها؟!، كيف تضرّنا في عقر دارنا؟!»، وأنكر عليه إنكارا شديدا.

فقال له مصعب لحذاقته: «أوَتجلس فتسمع؟، فإن أعجبك شيء؛ قبلتَه، وإن لم يعجبك شيء؛ فإنّا لا نفعل شيئا تكرهه».

قال له: «أنصفت»، وكأنّه قال في نفسه: «كيف أُنكر قبل أن أسمع؟!».

وهكذا المنصفون أصحاب القلوب الطيّبة؛ لأنّه طالب حقّ، ولم يأت للانتقام.

وفي الحال قرأ عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فشرح الله صدره، فقام وتطهّر وتوضّأ وصلّى ورجع إلى سعد وكان ينتظره في قومه، فلمّا رآه سعد مقبلا من بعيد قال لقومه: «والله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به». فلمّا دخل أسيد لم يُرد أن يقول شيئا ولم يُرد أن يسبق سيّده في الكلام، فهم يحترمون مسؤوليهم احتراما كبيرا. فسأله سعد قائلا: «ماذا وجدت؟».

قال أسيد: «لا بأس، لم أجد مضرّة، ولكن سمعت أنّ بني حارثة يريدون الذهاب إلى بيت أسعد بن زرارة للانتقام من أصحابه».

(1) … تثبّتت من هذا في سيرة بن هشام: ج2، ص283؛ فوجدت أنّهما ابنا خالة، وهذا ما ذكره الشيخ في الدرس الرابع.

٢٩٥ / ٤٥٥