في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٢١

ومرّ عليه أبوه أبو عامر الفاسق وهو في جيش المشركين فركله وشمت به، فانظروا درجة حقده على المسلمين حتّى ولو كان ابنه، وانظروا إلى هذا الشابّ الذي قدّم التضحية في سبيل الله على كلّ شيء حتّى على أهله.

وبمثل هؤلاء الشباب يفتخر الصحابة، فالأوس يفتخرون ويقولون للخزرج: «منّا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، منّا حميّ الدَّبَر عاصم بن ثابت، منّا من اهتزّ العرش لموته سعد بن معاذ، منّا من عُدَّت شهادته شهادتين خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين… »، والخزرج كذلك يقولون للأوس ويفتخرون: «منّا حملة القرآن أبيّ بن كعب، معاذ بن جبل… »، فهم لا يتفاخرون بالمال ولا بالسلطان ولا بأيّ رئاسة أو حكم، إنّما يفتخرون إذا تفاخروا بمزايا أبطالهم ومؤمنيهم، وهذا هو الذي يحقّ به الفخر.

[حَمِيُّ الدَّبَر] :

حَمِيُّ الدَّبَر

ولنعرج إلى شابّ آخر يدعى: «حميّ الدَّبَر»، وهو الشابّ المحمّديّ: عاصم بن ثابت -رضي الله عنه-.

فما هو الدَّبَر؟، ولماذا لُقّب عاصم بحَمِيِّ الدَّبَر؟.

الدَّبَر هو الذباب الأصفر الذي يشبه النحلة في هيأتها - ويطلق على النحل كذلك دَبَرٌ-، وهو يلسع كما تلسع النحلة أو أشدّ.

وما معنى حميّ الدبر؟.

بعد وقعة أُحُد بعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سريّة(1) فيها عشرة من الصحابة، وجعل عاصم بن ثابت الأنصاريّ رئيسا عليهم، وأخرجهم عينا يترصّدون ويطوفون حول

(1) … «السريّة تطلق على كوكبة من الجند إذا خرجوا وليس معهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، سواء كانت قليلة العدد أو كثيرة، وإذا كان معهم - صلى الله عليه وسلم - تسمّى غزوة. هذا هو اصطلاح المؤرّخين الذين كتبوا في السيرة». (من كلام الشيخ).

٣٢١ / ٤٥٥