في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٢٢

المدينة، وأمرهم أن يتفقّدوا الجهات لعلّ هنالك أناسا يتجمّعون لغزوها، فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعرف أنّ من أهل مكّة من هو مغتاظ، وأنّ فيهم من فسقة المدينة من يحرّضهم على الحرب، إذن لابدّ أن يختبر المنطقة كلّها مسيرة يومين أو ثلاثة، وكان يبعث في كلّ مرّة سرايا، فهذه سريّة مكوّنة من عشرة من الصحابة المتحزّمين يقودهم عاصم بن ثابت بعثها - صلى الله عليه وسلم - لِتَنَطُّس(1) الأخبار، فمشوا إلى جهةٍ فطافوا على كلّ الجبال والوديان والشعب، فلمّا اقتربوا من مكان يسمّى: «الرّجيع»(2) -وهذه السريّة تسمّى بـ: «سريّة الرّجيع»- ألْفَوا هنالك قبيلة من البدو تدعى هذيل، وهي إلى اليوم قبيلة معروفة مشهورة، ومن مشى إلى الحجاز يسمع كلمة هذيل كثيرا، وكانوا بداة مشركين، الشرك من جهة والبداوة من جهة أخرى، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿الاَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىا رَسُولِهِ﴾(3) ، وهنا نستفيد فائدة وهي أنّ الأعراب غير العرب، فالعرب هم من يتكلّم العربية، أمّا الأعراب فيطلق على سكّان البادية(4) . فالآية: ﴿الاَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا…﴾، ليس المراد هم العرب ومنهم سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، إنّما المراد أعرابُ البادية، يقال: «أعربتُ»؛ إذا خرجت للبادية. ويقال: «فيك طبع الأعراب»، والعرب يُعَيِّرُ بعضهم بعضا بهذا، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالها مرّات لبعض أصحابه.

ذكرت هذه الفائدة لكي نفرّق بين العرب والأعراب، فلربّما يقرأ الإنسان الآية الآنفة ويتّهم فيقول إنّهم العرب كلّهم، لا أبدا، إنّما الأعراب هم أصحاب البادية.

وهؤلاء الأعراب جفاة لم تهذّبهم المدنيّة فهم دائما وراء أذناب الإبل والبقر والغنم، وإذا جاء أحد منهم إلى المدينة يقف أمام بيت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وينادي بصوت

(1) … تَنَطَّسَ الأخبار: بحث عنها بدقّة، وبالغ في ذلك. (ابن منظور، لسان العرب: ج6، ص232، مادة: نطس).

(2) … الرَّجِيع: ماء لهذيل قرب الهدأة بين مكة والطائف. (ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج3، ص29).

(3) … سورة التوبة: الآية 97.

(4) … وهم أيضا يتكلّمون اللغة العربيّة، وإنّما هو تخصيص لهم.

٣٢٢ / ٤٥٥