في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٥٥غريب ولحكمة عظيمة- الجمعةَ، إذ يجب أن يأتوا كلّهم: «الجمعة على من آواه الليل إلى أهله»(1) لم يعذر أحدا أبدا، فكلّهم يأتون إلى مسجد المدينة كبيرا وصغيرا، كلّ من بلغ [سن التكليف] يأتي لكي يحضر وجوبا، إلاَّ إن كان عجزا، ولا يجزئ أن تصلّى صلاة الجمعة في مكان آخر، ولم تصلَّ صلاة الجمعة في المدينة بمحلّ ثانٍ أبدا [غير مسجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ] طول حياته - صلى الله عليه وسلم - وزمن الخلفاء من بعده تباعا لهذا، وهذا لكي يربط المسلمين رباطا وثيقا، فقد كانت الأخوّة فيما بينهم أخوّة قرابة الرحم، فهذا من عشيرتي وهذا من قومي، أمّا الآن فأصبح الإسلام يجمع بينهم، ولو كانت المساجد التي في بعض الأحياء يلتقي فيها غالبا عرش واحد(2) ، لكن يوم الجمعة لابدّ أن يكون اللقاء في المسجد الجامع عموما، وبذلك تتوطّد وتتمكّن المحبّة التي تُبنى على الوحدة؛ وحدةِ العقيدة والوحدةِ في كلّ شيء.
المعبود هو الله واحد…
والكتاب الذي تعبّدنا الله بتلاوته واحد وهو القرآن…
والرسول الذي هو إمامنا واحد…
وطريقنا كلّنا واحد…
وهذه الوحدة التي جمعت الناس كلّهم تَنزِع ولا تُبقي علاقة لعنصر دم أو رحم أو حِلف أو أيّ شيء، فكلّ شيء يدخل هنا.
هذا ما صنعه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وزاد أكّده بالتآخي الذي تكلّمنا عنه من قبل، عقدِ الأخوة [بين المهاجرين والأنصار]؛ إذ ربط كلّ أحد مع آخر، فأنت أخو فلان وأنت أخو فلان…، ريثما تتوطّد هذه الأخوّة أكثر وتتقوّى ويتكوّن الأساس الأوّل،
(1) … رواه الترمذي في سننه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وقال: «هذا حديث إسناده ضعيف». (سنن الترمذي، كتاب: الجامع الصحيح، باب: ما جاء من كم تؤتى الجمعة، رقم: 484 ).
(2) … «قد يكون فيها غيرهم وإن كان ليس كثيرا». (من كلام الشيخ).