في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦وتتكوّن القوّة الأولى التي يجابه بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الدنيا كاملة؛ لأنّه في ذلك الوقت كان يعمل لكي تكون المدينة القاعدةَ الأولى التي تفتح بلاد الدنيا كلَّها، وتكون فيها -كما يعبّرون اليوم- القوّة الضاربة، ويجب أن تكون قوّة عسكريّة متينة، أهلها كلّهم على قلب رجل واحد، وهؤلاء سينصرون الدين وينشرونه ويحاربون -إمّا هجوما وإمّا دفاعا- كلّ من اقتضت الضرورة أن يحاربوهم.
بهذا كوّن - صلى الله عليه وسلم - العنصرَ الأوّل لهذه القوة، وهذا هو سرّ الجماعات في المساجد وسرّ الاجتماع يوم الجمعة كلَّ أسبوع وسرّ التآخي، ومن وراء ذلك خطب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فهو دائما يأمرهم بنبذ العنصريّة للقرابة والدم، وأن لا يدعوا بدعوى الجاهليّة أبدا كما سيأتينا بعدُ.
[الحرب تلد الحرب] :
الحرب تلد الحرب
تكوّنت هذه القوّة بين الأنصار أوّلا بإزالة العداوة التي كانت بينهم منذ مئات من السنين، ليس عشرات بل مئات السنين والعداوة مستحكمة بين الأوس والخزرج، حروب دائمة، لا تموت حرب إلا وتقوم أخرى؛ لأنّ الحرب دائما تلد الحرب الأخرى، ومَنْ دَرَسَ [تاريخ الحروب] ويميّز؛ يعرف أنّ الفتنة تلد الفتنة، تقع الفتنة في يومٍ -ولو خمدت-، فإنّ فيها بذرة الفتنة المستقبلة.
لماذا ؟
لأنّ الفتن والحروب التي تقع -مهما كان سببها-(1) ، لابدّ وأن فيها غالبا ومغلوبا، فالغالب رافعٌ رأسَه وراغبٌ في أن يأتي على أناس آخرين، والمغلوبون بينهم الغلبة، تلك الهزيمة تأكل قلوبهم، ويترقّبون اليوم الذي تأتيهم فيه الفرصة فيأخذون
(1) … «نستثني الحروب الدينيّة، فحديثنا عن الحروب التي تقع بين الأعراش والقبائل وعن الإغارات». (من كلام الشيخ).