في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٤٠٠

فلندَع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في هذه المدينة المنوّرة يؤسّس هذه الدولة ويوطّد أركانها، ويربط بين المهاجرين والأنصار، ويعقد المعاهدات، معاهدة التعايش السلميّ، وعدم الاعتداء، والدفاع المشترك عن المدينة مع اليهود....

هو يعمل ويؤسّس…

فلندعه على هذه الحال حتّى يَتمّ هذا الأمر الذي كان له ما بعده…

بعد ذلك تأتي المراحل الأولى، فبعد أن وطّد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - [أركان الدولة]، وجمع الجماعة التي التفّت حوله ووحّد بينها وربطها برباط متين فأصبحت كالبنيان المرصوص؛ بدأ في العام الأوّل سراياه باعتراض الطريق على [قافلة] لمشركي مكّة، ينتج عنها غزوة بدر الكبرى في العام الثاني، وبعد غزوة بدر تأتي كذلك سرايا، ثمّ غزوة أُحُد في العام الثالث، ثمّ غزوة الأحزاب في العام الرابع، ثمّ بعد أُحُد والأحزاب سرايا، ثمّ في العام الخامس بنو المصطلق، ويأتي صلح الحديبية ثمّ فتح خيبر ثمّ فتح مكّة ثمّ غزوة حنين…

هذه كلّها أحداث كبرى في الإسلام متتابعة، وفي كلّ منها عجب من إكرام الله تبارك وتعالى لنبيّه، وعجب من تفاني المسلمين في الذود عن دينهم، [وعجب] من شدّة صبرهم واحتمالهم، هذا الأمر الذي أدّى إلى تمكّن الإسلام، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾(1) وفهمها سيّدنا ابن عباس رضي الله عنهما على أنّها نعي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

أدّى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مهمّته وهيّأ دولة موطّدة الأركان تركها لمن بعده، وهذا ما سيأتي فيما بعد(2) [إن شاء الله]؛ لأنّنا سنوقف دروس [هذه السلسلة] للتكلّم عن بعض

(1) … سورة النصر.

(2) … أوقف الشيخ رحمه الله الكلام عن هذه السلسلة مؤقّتا، وأخبر بأنّه سوف يرجع إليها بعد حديثه عن بعض الأمراض الخُلُقيّة التي بدأت تظهر وتتفشّى في المجتمع قصد معالجتها، فقمت بالبحث عن تتمّة موضوع الهجرة النبوية فلم أجدها، وسألت عن ذلك بعض القائمين على تراث الشيخ رحمه الله، فأخبروني بأنّه لم يتسنّ له العودة إليها.

… والذي يلاحَظ هنا أن الشيخ رحمه الله كثيرا ما كان يردد في هذه السلسلة أنه سيتكلم عن حادثة كذا وعن غزوة كذا…، دون أن يقول في أي منها: «إن شاء الله»، ولكن اللهَ شاء أن لا يعود إليها، تماما كما حدث لسيدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - الذي فتر عنه الوحي مدةً؛ لأنه قال لما سئل: «سأجيبكم غدا»، ولم يقل: «إن شاء الله»، وجلّ من لا يخطئ. وهذه نكتة لطيفة فلنتنبّه إليها. والله أعلم. (هذه النكتة نبّهني إليها الأستاذ المشرف: مصطفى بن محمد شريفي، بعد مراجعته للعمل).

٤٠٠ / ٤٥٥